من لندن إلى اقتصاد المستقبل: رحلةٌ عبر بوابة الفنتك

12 ديسمبر 2025

في أحد أيام عام 1968، كانت لندن تشهد حدثًا غير مألوف آلة معدنية جديدة تقف أمام البنك وتُخرج النقود بلا موظف ولا توقيع. جهاز الصرّاف الآلي الأول كان يبدو كأنه نافذة صغيرة على المستقبل. لكن المفاجأة لم تتأخر، إذ اكتشف أحدهم ثغرة بسيطة في النظام الجديد، فصنع قسائم أشبه بالأصلية، وأدخلها في الجهاز، وخرج محمّلًا بالنقود في أول عملية سرقة رقمية في التاريخ. لم تكن القصة مجرد جريمة عابرة بل كانت بداية حكاية طويلة تغيّر فيها المال، وتغيّرت معه حياة البشر.

مع مرور السنوات، بدأت هذه الشرارة تكبر، وتتحول من حدث صغير إلى موجة عالمية. فظهرت أفكار جديدة تتحدى الطرق التقليدية للدفع، وأفكار أخرى ترى أن الإنترنت ليس فقط للرسائل، بل للمدفوعات أيضًا. ثم جاءت رؤية مختلفة تمامًا للمال، رؤية تقول إن النقود يمكن أن تكون رقمًا يتحرك في الشبكات جاء ذلك الاسم الغامض ساتوشي ناكاموتو ليقدّم للعالم أول تصور لمال يولد من التشفير، لا ورقة تُحفظ في الجيوب. بالتدريج، لم يعد البنك مبنى، ولا الموظف حلقة ضرورية، ولا التوقيع ورقة لا يمكن الاستغناء عنها. ولدت طرق جديدة، ومنصات، وتجارب أحدثت تحولاً لم تشهده الصناعة المالية منذ قرون.

ومع انتشار الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، بدأت ملامح عالم مختلف تتضح. اليوم أصبح شخص يعيش في أبعد قرية قادرًا على شراء عقار في قارة أخرى، وفتح محفظة استثمارية في أقل من دقيقة، وتحويل أمواله من دون أن يطأ بنكًا واحدًا. المال تحرر من مكانه، وتحررت معه الأسواق، وأصبحت الحدود مجرد خطوط على الخرائط، لا على حركة الثروة.

لكن هذه الثورة لم تكن طريقًا مستقيمًا. فكما تطورت الأدوات، تطورت محاولات كسرها. من نسخ بطاقات الصراف، إلى الاحتيال عبر الرسائل، إلى الاختراقات المعقدة، وصولًا إلى الجرائم التي تُدار اليوم عبر تقنيات قادرة على تقليد الأصوات والوجوه. أصبح الفنتك ساحة مفتوحة بين من يبني أنظمة أكثر أمانًا… ومن يحاول كسرها بذكاء أكبر. وبينهما يقف القانون يحاول اللحاق بهذا الإيقاع المتسارع.

ورغم ما يبدو من تحديات، إلا أن أثر الفنتك على التكنولوجيا كان أعظم مما يتخيله الكثيرون. فالتجارة الإلكترونية لم تكن لترى النور دون بوابات الدفع. والشركات الناشئة لم تكن لتنمو لولا سهولة التمويل والتحويل. والذكاء الاصطناعي لم يكن ليقفز قفزاته الحالية من دون منظومة مالية رقمية قادرة على دعم الابتكار وتغذيته.

واليوم، بينما يتحرك العالم بسرعة تكاد تُفقدنا القدرة على الالتقاط، يظهر الفنتك كأنه الوقود الذي يشعل كل هذا التقدم. فبعد أن ودّعنا النقود الورقية، وتجاوزنا البطاقات، واعتدنا المحافظ الإلكترونية، نقف الآن على مشارف مرحلة جديدة قد يتم فيها تحويل الأموال عبر المستشعرات العصبية نفسها، حيث يصبح التفكير أمرًا ماليًا، والنية إشارة دفع، والمعاملة جزءًا من الجهاز العصبي للاقتصاد.

وهكذا… من حادثة صغيرة أمام صرّاف آلي في لندن، إلى اقتصاد متصل بالعقل ذاته، يواصل الفنتك كتابة فصول قصة لا تزال في بدايتها 

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق