الكاتب: سيف النعيمي

  • المال من البخل والتكديس إلى الوعي وبناء القيمة 

    19 ديسمبر 2025

    يقول الفيلسوف سينيكا مستشار الإمبراطور نيرون الفقير مب اللي يملك القليل الفقير هو اللي يطلب الكثير، تعجبني فلسفة سينيكا لأنها تختصر علاقة الإنسان بالمال بشكل بسيط وعميق في نفس الوقت سينيكا من الفلاسفة القلّة اللي ما كان يشوف المال مجرد أرقام تُجمع بل يشوفه سلوك نفسي وأخلاقي عنده الفقر والغنى مب مسألة حسابات بل حالات ذهنية تتشكل حسب قدرة الإنسان على ضبط رغباته مب حسب حجم ما يملكه ومن هنا نقدر نفهم ليش موضوع الادخار أعقد مما نتصور.

    منذ الصغر تعلّمنا في الكتب الدراسية الفرق بين الحاجة والرغبة بين ما هو ضروري وأساسي وما هو تكميلي فالسيارة مثلًا قد تكون حاجة حقيقية للتنقل الآمن للوصول إلى العمل بدون تأخير أو إلى المستشفى وقت الضرورة إضافة إلى الخصوصية اللي ما توفرها كثير من وسائل النقل وفي نفس الوقت قد تتحول السيارة إلى رغبة كمالية مرتبطة بالمكانة الاجتماعية أو الشكل أو القوة أو السرعة ومع تطور الأسواق ظهرت السيارات الكهربائية كنموذج يجمع بين الضرورة والكمالية معًا فهي اقتصادية في التشغيل فاخرة في الشكل قليلة الصيانة ومع ذلك نادرًا ما نسمع أحد يقول إن سبب شرائه هو المحافظة على البيئة بقدر ما يكون مزيجًا من المنفعة والرغبة.

    والواقع أن الاحتياجات والرغبات كلاهما جزء من طبيعة الإنسان عندنا رغبات نحتاجها واحتياجات نرغب فيها ولهذا ما نقدر ننظر للموضوع بنظرة أبيض أو أسود وهنا يظهر الادخار كأحد أكثر السلوكيات اللي تكشف هذا التداخل كثير من الناس يواجهون صعوبة في ادخار حتى مبلغ بسيط وغالبًا ما تفشل محاولاتهم مب بسبب ضعف الدخل بل بسبب غياب التوازن بين الضروريات والكماليات أو بسبب غياب السلوك الصحيح تجاه المال.

    هناك سؤال مهم هل الادخار ضرورة أم كمالية وماذا لو كان الإنسان ثريًا أو من عائلة ميسورة أو مؤمَّنًا من الدولة أو لديه وظيفة تضمن له معاشًا تقاعديًا الإجابة هنا لا ترتبط بحجم الأمان المالي بقدر ما ترتبط بطريقة النظر إلى الادخار نفسه فإذا عومل الادخار كحاجة كانت مخرجاته غالبًا مدخرات حقيقية وملموسة أما إذا كان مجرد فكرة شكلية أو خيارًا مؤجلًا فعادة ما يفشل.

    الفرق يبان بوضوح لما نقارن شخص يدخر لهدف واضح مثل شراء أصل أو تحقيق رغبة محددة بشخص يدخر بدون هدف في الحالتين قد يتجمع المال لكن الادخار المرتبط بهدف يكون أسرع وأكثر استقرارًا وتكون له قيمة أكبر عند صاحبه هذا السلوك ينعكس حتى على شخصية الفرد فغالبًا ما يتطبع من يجمع المال لتحقيق أهداف بسمات ريادة الأعمال وتتكوّن لديه مهارات إدارة وتوظيف الأموال بينما يميل من يجمع المال بلا هدف إلى البخل والحرص الزائد وهو ما ينعكس على سلوكه ومظهره.

    هِتّي غرين، الملقبة بساحرة وول ستريت، والتي كانت في زمانها أغنى امرأة في أمريكا رغم ثروتها الهائلة ما كانت تبدّل فستانها لسنوات ليس زهدًا ولا قناعة بل لأن المال عندها لم يكن وسيلة حياة ولا أداة راحة مشكلتها لم تكن بسبب غياب هدف التوفير بل في غياب النية من الاساس فلا إنفاق لهدف ولا ادخار لغاية بل جمع لمجرد الجمع.

    كثير من الناس يبحثون عن طريقة أو سر للادخار مع أن الموضوع أبسط من ذلك ما فيه طريقة واحدة صحيحة ولا أسرار خفية في ناس تدخر في البيت وناس عن طريق البنك وناس عن طريق الجمعيات وكلها طرق صحيحة حتى نسبة الادخار ما هي المشكلة سواء ادخرت واحد بالمئة أو خمسين بالمئة النتيجة في النهاية مدخرات المهم تحدد الفائض الحقيقي من دخلك بعد احتساب احتياجاتك ورغباتك بواقعية بدون إسراف في الأولى ولا تبذير في الثانية.

    الخلط بين الادخار والاستثمار من أكثر الأخطاء الشائعة الادخار ما يحتاج مهارة علمية معقدة يحتاج وعي ونية وانضباط أما الاستثمار فيحتاج معرفة ومهارة وفهم للمخاطر قبل العوائد الادخار يحافظ على المال لكن الاستثمار هو اللي يشغّله والثروة ما تُبنى بالخوف على المال ولا بحبسه فالدرهم المحبوس ما يولد فلوس والمال بطبيعته مع الوقت تنخفض قيمته بسبب التضخم ولهذا يتوجب عليك تبحث عن الأدوات اللي تخلي مالك ينمو أو على الأقل يحافظ على قيمته مع تقادم الوقت.

    وفي النهاية الادخار مب حرمان بل وعي هو وسيلة لتحقيق الأهداف مب غاية بحد ذاته اقتنِ حاجاتك وحقق رغباتك وتجنب الإسراف والتبذير ولا تغامر بدخلك أو مدخراتك في شيء ما تفهمه ومع التعلم المستمر وتوسيع المعرفة يتحول الادخار من عبء ثقيل إلى سلوك طبيعي ومتوازن.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • من لندن إلى اقتصاد المستقبل: رحلةٌ عبر بوابة الفنتك

    12 ديسمبر 2025

    في أحد أيام عام 1968، كانت لندن تشهد حدثًا غير مألوف آلة معدنية جديدة تقف أمام البنك وتُخرج النقود بلا موظف ولا توقيع. جهاز الصرّاف الآلي الأول كان يبدو كأنه نافذة صغيرة على المستقبل. لكن المفاجأة لم تتأخر، إذ اكتشف أحدهم ثغرة بسيطة في النظام الجديد، فصنع قسائم أشبه بالأصلية، وأدخلها في الجهاز، وخرج محمّلًا بالنقود في أول عملية سرقة رقمية في التاريخ. لم تكن القصة مجرد جريمة عابرة بل كانت بداية حكاية طويلة تغيّر فيها المال، وتغيّرت معه حياة البشر.

    مع مرور السنوات، بدأت هذه الشرارة تكبر، وتتحول من حدث صغير إلى موجة عالمية. فظهرت أفكار جديدة تتحدى الطرق التقليدية للدفع، وأفكار أخرى ترى أن الإنترنت ليس فقط للرسائل، بل للمدفوعات أيضًا. ثم جاءت رؤية مختلفة تمامًا للمال، رؤية تقول إن النقود يمكن أن تكون رقمًا يتحرك في الشبكات جاء ذلك الاسم الغامض ساتوشي ناكاموتو ليقدّم للعالم أول تصور لمال يولد من التشفير، لا ورقة تُحفظ في الجيوب. بالتدريج، لم يعد البنك مبنى، ولا الموظف حلقة ضرورية، ولا التوقيع ورقة لا يمكن الاستغناء عنها. ولدت طرق جديدة، ومنصات، وتجارب أحدثت تحولاً لم تشهده الصناعة المالية منذ قرون.

    ومع انتشار الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، بدأت ملامح عالم مختلف تتضح. اليوم أصبح شخص يعيش في أبعد قرية قادرًا على شراء عقار في قارة أخرى، وفتح محفظة استثمارية في أقل من دقيقة، وتحويل أمواله من دون أن يطأ بنكًا واحدًا. المال تحرر من مكانه، وتحررت معه الأسواق، وأصبحت الحدود مجرد خطوط على الخرائط، لا على حركة الثروة.

    لكن هذه الثورة لم تكن طريقًا مستقيمًا. فكما تطورت الأدوات، تطورت محاولات كسرها. من نسخ بطاقات الصراف، إلى الاحتيال عبر الرسائل، إلى الاختراقات المعقدة، وصولًا إلى الجرائم التي تُدار اليوم عبر تقنيات قادرة على تقليد الأصوات والوجوه. أصبح الفنتك ساحة مفتوحة بين من يبني أنظمة أكثر أمانًا… ومن يحاول كسرها بذكاء أكبر. وبينهما يقف القانون يحاول اللحاق بهذا الإيقاع المتسارع.

    ورغم ما يبدو من تحديات، إلا أن أثر الفنتك على التكنولوجيا كان أعظم مما يتخيله الكثيرون. فالتجارة الإلكترونية لم تكن لترى النور دون بوابات الدفع. والشركات الناشئة لم تكن لتنمو لولا سهولة التمويل والتحويل. والذكاء الاصطناعي لم يكن ليقفز قفزاته الحالية من دون منظومة مالية رقمية قادرة على دعم الابتكار وتغذيته.

    واليوم، بينما يتحرك العالم بسرعة تكاد تُفقدنا القدرة على الالتقاط، يظهر الفنتك كأنه الوقود الذي يشعل كل هذا التقدم. فبعد أن ودّعنا النقود الورقية، وتجاوزنا البطاقات، واعتدنا المحافظ الإلكترونية، نقف الآن على مشارف مرحلة جديدة قد يتم فيها تحويل الأموال عبر المستشعرات العصبية نفسها، حيث يصبح التفكير أمرًا ماليًا، والنية إشارة دفع، والمعاملة جزءًا من الجهاز العصبي للاقتصاد.

    وهكذا… من حادثة صغيرة أمام صرّاف آلي في لندن، إلى اقتصاد متصل بالعقل ذاته، يواصل الفنتك كتابة فصول قصة لا تزال في بدايتها 

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • ما بعد نيفيديا… كيف يقتنص المستثمر فرص انفجار الذكاء الاصطناعي؟

    28 نوفمبر 2025

    “العالم سيحتاج قدرة حوسبة تفوق ما يمكن أن نتخيّله” بهذه الكلمات لخّص جنسن هوانغ، مؤسس نيفيديا، طبيعة التحول الذي يعيشه العالم اليوم. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مفهوم تقني، بل أصبح القوة الدافعة خلف أكبر تغيير اقتصادي منذ ظهور الإنترنت.

    كثيراً ما يتردد على مسامعنا مصطلح الذكاء الاصطناعي، وقد أصبح اليوم حديث الساعة. تتسابق الشركات في مختلف المجالات لبناء تقنيات تخدم هذا التحول، بدءاً من تصنيع رقاقات الذكاء الاصطناعي وخوادم التخزين وخوارزميات المعالجة، وصولاً إلى المنتجات النهائية التي اندمجت تدريجياً في حياتنا اليومية، حتى أصبح اعتمادنا على النماذج الذكية جزءاً من السلوك الطبيعي للإنسان المعاصر.

    بدأ الانفجار الثوري الحقيقي في نوفمبر 2022 مع إطلاق ChatGPT من OpenAI، ومن تلك اللحظة تغيّر مسار التقنية بالكامل. انفجرت أسهم شركات الرقائق وعلى رأسها NVIDIA، ودخلت الشركات الكبرى سباق الذكاء الاصطناعي، وبدأت الدول تتنافس في بناء نماذجها ومنصاتها. تحوّل الذكاء الاصطناعي من فكرة أكاديمية طُرحت في مؤتمر دارتموث عام 1956 إلى صناعة ترليونية تعيد تشكيل نماذج الأعمال، وتستقطب استثمارات البنوك، وتصبح ضرورة في قطاعات الصحة والقانون والصناعة والتسوق.

    وكانت نيفيديا المثال الأوضح على هذا التحول. ففي 15 نوفمبر 2022 كان سعر السهم نحو 16.72 دولار، وفي نوفمبر 2025 تجاوز 177.82 دولار، أي عشرة أضعاف خلال ثلاث سنوات فقط. وبمنظور بسيط من يملك عشرة آلاف سهم بكلفة 169 ألف دولار، أصبحت قيمتها اليوم قرابة 1.79 مليون دولار. ولم تكن نيفيديا وحدها فقد تضاعف سهم مايكروسوفت من 240 دولاراً إلى نحو 476 دولاراً، وقفز سهم ألفابت (جوجل) 3.6 مرات من 88 دولاراً إلى 318 دولاراً. هذه القفزات لم تكن مصادفة، بل نتيجة تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ثورة تشبه ظهور الكهرباء والإنترنت.

    ورغم الاعتقاد بأن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مقتصر على المؤسسات الكبرى، فإن المجال مفتوح للأفراد أيضاً. يستطيع المستثمر غير المتخصص شراء أسهم شركات الذكاء الاصطناعي كأدوات تقليدية، أو الدخول عبر أدوات بديلة مثل المشتقات المالية، أو صناديق تموّل مراكز البيانات، أو الاستثمار في مشاريع الطاقة المخصصة لها. وكلما ازداد اعتماد العالم على هذه التقنية، ازداد حجم السوق والعوائد المرتبطة بها.

    ومع هذا النمو الهائل، يظل الاستثمار في أسهم الذكاء الاصطناعي ضمن فئة الاستثمارات عالية المخاطر، فمعامل بيتا لهذه الشركات يتراوح بين 1.4 و2.2، ما يعني أن تقلباتها أعلى من تقلبات السوق. فإذا صعد المؤشر صعدت مضاعفة، وإذا هبط هبطت بحدة أكبر. ويعود ذلك إلى مزيج من الثقة والمضاربة وعدم وضوح المستقبل، في مشهد يذكّر ببدايات الإنترنت، مع اختلاف جوهري اليوم تتبلور في القمة مجموعة محدودة من الشركات القيادية التي تمسك بمفاتيح الرقائق والنماذج والمنصات، بينما تمتد حولها منظومة واسعة من الشركات المساندة في الطاقة والبنية التحتية والبرمجيات والخدمات، وأصبحت المنتجات نفسها جزءاً فعلياً من الحياة اليومية لا مجرد وعود نظرية.

    ومع ذلك، لم يفُت الأوان على من لم يلحق بارتفاع نيفيديا. فهذه الشركة لم تكن سوى أول صرخة في فضاء يتغيّر كله. فالذكاء الاصطناعي لا يعيش في شركة واحدة ولا ينمو داخل مصنع واحد، بل في شبكة واسعة من الكيانات التي تتحرك معاً كمشهد اقتصادي واحد. هذه الصناعة تشبه نهراً عميقاً يبدأ من باطن الأرض وينتهي عند أبراج مراكز البيانات. بين المنبع والمصب تعمل شركات المعادن التي تستخرج المواد النادرة، والمصانع التي تصهر السيليكون، ومحطات الكهرباء التي تغذي آلاف الخوادم، وأنظمة التبريد العملاقة، وشركات الألياف الضوئية، والبنوك التي تموّل توسع هذه البنية، وشركات البرمجيات التي تدرب النماذج، وشركات الأمن التي تحمي كل ذلك من الاختراق.

    هذه المنظومة كلها تتحرك في اتجاه واحد، وتدفع كل طبقة فيها الطبقة الأخرى. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في اللحاق بسهم ارتفع، بل في قراءة السلسلة الاقتصادية الكاملة التي تدفع هذا الارتفاع. كل حلقة في هذه السلسلة تحمل فرصة طويلة الأجل لأنها جزء من اقتصاد جديد يُعاد بناؤه.

    وتزداد الفرص وضوحاً في عالم الشركات الناشئة ايظاً. فهناك عشرات الفرق الصغيرة التي تطور أدوات، ونماذج، ومعالجات، ومنصات أمنية، وتطبيقات متخصصة. قيمتها اليوم قد تبدو بسيطة، لكنها تتحرك بوضوح نحو استحواذ محتمل من عمالقة الذكاء الاصطناعي. وعندما يحدث الاستحواذ، تتغير قيمة الشركة الصغيرة فوراً لأن دخولها تحت مظلة كيان أكبر يكشف إمكاناتها ويمنحها آفاقاً لم تكن متاحة لها مسبقاً.

    وهكذا يبقى الذكاء الاصطناعي فرصة مفتوحة، ليست في قمة وقيمة سهم واحد، بل في جذور تمتد تحت الصناعات جميعها. ومن ينظر إلى هذه الجذور بعين المستثمر الذي يفهم الترابط سيكتشف أنه لا يقف أمام نهاية الطريق، بل أمام بدايته الحقيقية.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • فجوة التطوير المعادلة الخفية التي تحدد نجاح المطورين

    21 نوفمبر 2025

    يبدو الاستثمار في الأراضي سهلاً من بعيد، قطعة تراب تنتظر أن ترتفع قيمتها ومطور يقرر البناء عندما يشاء. لكن الحقيقة مختلفة تماماً. فالأرض ليست مجرد أصل خام بل هي اختبار لقدرة المطور على قراءة المستقبل وامتحان يحدد من هو المطور المحترف ومن هو الذي يتحرك بدافع الحماس. بعض الأراضي تصنع ثروات ضخمة وأخرى تتحول إلى عبء يستنزف الشركات لسنوات. والسؤال الذي لا يظهر للعلن عادة هو كيف يعرف المطور المحترف اللحظة الصحيحة التي تتحول فيها الأرض الصامتة إلى مشروع يدر أرباحاً. هنا تبدأ القصة الحقيقية لعالم تطوير الأراضي.

    يعتبر الاستثمار في الأراضي مختلفاً عن أشكال الاستثمارات العقارية التقليدية التي يفضلها المستثمرون المؤسسون مثل العقارات التجارية المؤجرة التي توفر تدفقات نقدية سنوية بالإضافة إلى ارتفاع قيمتها. أما الأراضي فغالباً ما تكون أكثر خطورة وأكثر مضاربة مقارنة ببقية أنواع الاستثمارات العقارية وذلك بسبب عدم وجود أي دخل منها طوال فترة الاحتفاظ بها وعدم اليقين المرتبط بمستقبل تطويرها. ومع ذلك فإن الأراضي الخام لا تتدهور قيمتها بمرور الوقت مثل العقارات المبنية التي تتطلب صيانة مستمرة للحفاظ على قيمتها مما يجعل جانب الخسارة فيها أقل نسبياً.

    يمتلك معظم المطورين العقاريين مخزوناً من الأراضي الجاهزة للتطوير ويسعى المطور دائماً لملء محفظته العقارية بأقل التكاليف عبر الشراء أو الاستحواذ على حقوق التملك أو الحصول على أحقية التطوير وذلك لاستثمارها مستقبلاً عند أول فرصة تسمح بتحقيق أرباح مضمونة و عوائد مجزية. ويبقى السؤال المهم متى يقوم المطور فعلياً باتخاذ قرار تطوير مجمع سكني أو ناطحة سحاب أو مدينة متكاملة من مخزون الأراضي الذي بحوزته وما العوامل التي يعتمد عليها لاتخاذ مثل هذا القرار المحفوف بالمخاطر المنتظمة وغير المنتظمة هذا السؤال نجيب عليه اليوم لإعطاء صورة شاملة ودقيقة حول ما يحدث داخل وحدات الاستثمار لدى المطورين المحترفين.

    عملية اتخاذ قرار التطوير ليست مجرد قرار هندسي أو معماري فالتطوير وإن كان يحمل جانباً هندسياً يقارب 30% إلا أن 70% منه هو جانب مالي واستثماري يهدف إلى تحويل ما نسميه أرضاً خالية إلى أرض مطورة أي تحويل ألا شي إلى مليارات الدراهم . ومن أهم العوامل التي يعتمد عليها المطورون في اتخاذ القرار ما يعرف بهامش التطوير أو فجوة التطوير أو الربح على التكلفة. هذه الفجوة تحدد بناء على العلاقة بين أسعار العقارات الجاهزة فعلياً وبين تكلفة البناء الحالية فالفرق بينهما يمثل الربح المتوقع تحقيقه بعد التطوير. وكلما ارتفعت أسعار العقارات الجاهزة زادت رغبة المطورين في استخدام مخزون الأراضي بهدف بيع وحدات جديدة عند مستويات سعرية أعلى ومع زيادة الطلب على المقاولين ومواد البناء ترتفع التكلفة فتكون العلاقة بين أسعار البيع وتكاليف البناء علاقة طردية أي يرتفعان معاً ولكن بشكل نسبي يؤثر مباشرة على الفجوة التي تحدد قرار البدء أو التريث.

    المطور المحترف لا يعتمد فقط على قياس هذه الفجوة بل يدرك أن قرار المساس بمخزون الأراضي يتطلب الوصول إلى فجوة مُثلى تضمن جدوى التطوير. ووفقاً للعرف السائد في الأسواق العقارية في أمريكا وأوروبا وآسيا وكما تشير إليه كبرى الجهات البحثية مثل معهد الأراضي الحضرية في واشنطن والمؤسسة الملكية للمساحين المعتمدين في لندن وشركات الاستشارات العالمية مثل برايس ووترهاوس كوبرز وديلويت فإن الفجوة المثالية التي تبرر بدء التطوير هي تلك التي تحقق ربحاً على التكلفة لا يقل عن 20% إلى 30%. ويعود سبب اشتراط هامش لا يقل عن عشرين بالمئة إلى أن المطور لا يملك السيطرة على عوامل عديدة قد تتغير خلال فترة التطوير مثل تراجع أسعار العقارات الجاهزة نتيجة تغيرات في العرض والطلب أو ارتفاع مفاجئ في تكاليف البناء أو حدوث شح في مواد البناء بسبب قرارات تنظيمية أو رسوم جمركية أو تأثيرات متعلقة بارتفاع معدلات الفائدة. هذه المتغيرات قد تجعل المشروع غير مجد إذا كانت الفجوة أقل من عشرين بالمئة وبالتالي تشكل هذه النسبة منطقة أمان تغطي مخاطر التذبذب في العوامل المؤثرة في التكلفة والعائد.

    وبجانب فجوة التطوير هناك مؤشرات أخرى يعتمد عليها المطورون المحترفون مثل معدل العائد الداخلي الذي يعد المؤشر الأهم خصوصاً عند اعتماد المشروع على التمويل ومؤشر الحساسية الذي يوضح أثر تغير سعر البيع أو التأخر في التسليم أو ارتفاع التكلفة على هامش الربح بالإضافة إلى مؤشر نقطة التعادل الذي يحدد عدد الوحدات المطلوب بيعها لتغطية تكاليف المشروع. وهنا يظهر مؤشر سرعة الامتصاص الذي يعد من أهم المؤشرات في الإمارات تحديداً لأن السوق قائم على البيع على المخطط ولأن دورة السوق سريعة التنافس إلى درجة تجعل أي تباطؤ في المبيعات يضع المطور تحت ضغط كبير. فإذا كان الامتصاص ضعيفاً بينما يبيع المنافسون بسرعة أعلى يجد المطور نفسه مجبراً على تخفيض الأسعار وتقديم عروض تلتهم الفجوة التي بنى عليها المشروع. كما أن البنوك في الإمارات تُراقب مؤشر الامتصاص قبل التمويل فإذا رأت ضعفاً في سرعة المبيعات ترفع شروط التمويل أو تخفض القدرة الائتمانية للمشروع حتى لو كانت فجوة التطوير ممتازة. ولهذا يصبح مؤشر الامتصاص هو الاختبار الحقيقي لسلامة قرار التطوير فإذا دعمت السوق القرار وامتصت الوحدات بوتيرة جيدة تحولت فجوة التطوير من معادلة نظرية إلى واقع تجاري يؤكد أن المطور اختار اللحظة المناسبة لاستهلاك مخزون الأرض أما إذا كانت الفجوة قوية والامتصاص ضعيف فإن المشروع ينهار مهما بدت الأرقام الأولية مثالية.

    وتبرز أهمية قراءة فجوة التطوير واتخاذ القرار في الوقت الصحيح من خلال ما حدث مع المطور الأمريكي الشهير سام زيل في الولايات المتحدة ومع شركة نخيل في دبي. ففي الثمانينات وبينما كان السوق الأمريكي يعيش تقلبات حادة امتلك سام زيل مساحات ضخمة من الأراضي لكنه رفض الدخول في أي تطوير جديد لأن فجوة التطوير في تلك الفترة لم تكن مناسبة. كان يرى أن المخاطرة في تلك اللحظة أعلى من العائد فاحتفظ بالأراضي دون أن يضع حجر أساس واحد. وبعد سنوات عاد السوق للارتفاع وبدأ سام زيل التطوير عندما أصبحت الأرقام في صالحه ليحقق واحدة من أعلى العوائد في تاريخ التطوير العقاري وهو ما لخّصه بقوله إن المال الحقيقي في العقار لا يأتي من البناء بل من اختيار وقت البناء.

    وتنعكس نفس الفكرة لكن بظروف مختلفة في تجربة شركة نخيل بعد أزمة 2008 حيث تراجعت الأسعار بشكل مفاجئ وارتفعت تكاليف الإنشاء وتباطأ الامتصاص مما جعل فجوة التطوير في عدد من المشاريع تتحول إلى فجوة سلبية. كان البناء في تلك اللحظة مخاطرة غير مبررة ولذلك علقت الشركة عدداً من مشاريعها وأعادت جدولة أخرى ليس لغياب الرؤية بل لأن التوقيت لم يكن مناسباً. وبعد أن استعادت السوق توازنها وعاد الطلب للارتفاع عادت الشركة للتطوير تدريجياً وبوتيرة مدروسة مستندة إلى فجوة تطوير واقعية حافظت على ربحية المشاريع واستدامتها.

    وهذه التجارب تذكر بأن التطوير العقاري ليس سباقاً لبناء أسرع أو أكبر بل هو سباق لاتخاذ القرار الصحيح في اللحظة التي تكون فيها الأرقام في صف المطور وأن الأرض لا تكافئ من يستعجل استهلاكها بل تكافئ من يقرأ توقيتها ويفهم ديناميكيات السوق ويختار اللحظة التي يكون فيها العائد أكبر من المخاطرة والمشروع قادراً على الوقوف بثبات من الإطلاق وحتى التسليم.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • ضع مالك في قلاعٍ مُحصّنة بخنادق مائية

    14 نوفمبر 2025

    كان الخطاب الشهير لوارن بافت عام 1995 أمام مساهمي شركة بيركشاير هاثاواي نقطة تحول في عالم الاستثمار حين قال:

    “سرّ الاستثمار الناجح هو تحديد الميزة التنافسية لكل شركة، والأهم من ذلك مدى استدامة تلك الميزة، فالمنتجات أو الخدمات التي تمتلك خنادق حماية واسعة ومستدامة هي التي تمنح المستثمرين العوائد المجزية.”

    ومنذ ذلك الحين، أصبح مفهوم خندق الحماية التنافسية (Moat) أحد أهم المفاهيم التي يرتكز عليها المستثمر الذكي في قراراته، لأنها ببساطة ما يضمن بقاء الشركة واستمرار تدفقاتها المالية رغم تغيّر الظروف وتزايد المنافسة.

    خندق الحماية التنافسي هو أول ما ينبغي على المستثمر إدراكه قبل الدخول في التحليل الأساسي أو الفني. فقبل أن تسأل عن الأرقام والرسوم البيانية، عليك أن تسأل نفسك: ما الدافع الذي يجعلني أستثمر في هذا الأصل أو الصندوق أو الشركة؟ وينبغي أن تكون الإجابة: لأن لدى هذه الشركة خندق حماية يحميها من المنافسين، أي ميزة مستدامة تضمن بقاءها واستمرار تدفقاتها المالية.

    الشركات الرائدة والمحترمة في أي سوق تمتلك ميزة لا تتوافر لدى منافسيها، قد تكون سعراً تنافسياً، أو سمعة راسخة، أو انتشاراً واسعاً. هذه الميزة هي ما يمنحها القدرة على الهيمنة على حصتها السوقية، بفضل ثقة العملاء وولائهم وتعودهم على منتجاتها أو خدماتها، لتشكل بذلك خندق حماية يصعب اختراقه من المنافسين.

    على سبيل المثال، تمتلك شركة أبل خندق حماية فريداً يتمثل في نظامها المترابط الذي يجمع جميع منتجاتها عبر خدمة iCloud من الآيفون إلى الآيباد، ومن ساعة أبل إلى نظارة أبل فيجن. هذا الترابط يتيح للمستخدم تنفيذ عمليات الدفع عبر Apple Pay من أي جهاز، أو استكمال مشاهدة فيلم على نتفلكس بدأه في الآيفون من خلال جهاز ماك بوك، أو متابعة عرض بوربوينت بدأه على اللابتوب وأكمله على الهاتف، في تجربة سلسة ومتكاملة يصعب الخروج منها.

    هذه المنظومة المحكمة تجعل المستخدم أسيراً لراحة التجربة وبعيداً عن فكرة الانتقال إلى نظام تشغيل آخر مثل أندرويد، الذي رغم تشابهه في بعض الخصائص، إلا أنه يفتقر إلى هذا التكامل الكامل بسبب اختلاف الشركات المصنّعة لأجهزته. وكأن أبل تُعيد إحياء شعار برنجلز الشهير: “لم تفك ما حتصك”  فمن يدخل عالمها، لن يستطيع التوقف عن استخدامه أو مغادرته بسهولة. وهذه الميزة بالضبط هي ما يُجسّد الخندق المائي الحقيقي الذي يحمي قلعة أبل من المنافسين، ويضمن استمرار تدفق أرباحها مهما اشتدت المنافسة.

    المستثمر الذكي يستثمر في الأصول التي تقوم على المنافسة الحقيقية واستدامة التدفقات المالية. فعندما تقرر الاستثمار في شركة، فأنت تطبّق المثل القائل: “عط الخبّاز خبزه لو ياكل نصّه” أي أنك توكل المهمة لأهل الاختصاص وتستفيد من مهارتهم. لذلك من الضروري أن تدرك جيداً أين تضع أموالك، لأن المؤشرات والتحليلات ليست سوى أدوات تعتمد على بيانات تاريخية تُستخدم لهدفين: إمّا لتأكيد أنك على الطريق الصحيح نحو تحقيق هدفك، أو لتقديم تنبؤات قصيرة المدى حول الاتجاهات المستقبلية المحتملة. فهي لا تمنحك نظرة تمتد لسنوات طويلة، لأنها بطبيعتها تعكس المدى البسيط فقط، ولا تستطيع التقاط التغيرات الجذرية التي قد تحدث على المدى البعيد. فلو كانت التحليلات قادرة على قراءة المستقبل، لرأينا جميع المستثمرين دخلوا في البيتكوين وأصبحوا مليارديرية، لكن الواقع أن الذين اغتنوا هم أولئك الذين آمنوا بفكرتها ورأوا فيها خندق حماية لمستقبل العملات الرقمية، بينما لم يرها معظم الناس في ذلك الوقت. وبالمقابل، لو كانت التنبوءات تُظهر بوضوح مصير الشركات على المدى الطويل، لكان الجميع تخارج من أسهم كوداك ونوكيا قبل سقوطها، لكن من خرج بربح حقيقي هم أولئك الذين نقلوا استثماراتهم نحو شركات جديدة بنت خنادق حماية متينة في الوقت الذي كانت فيه خنادق كوداك ونوكيا تنهار وتنكشف هشاشتها.

    هذا المنطق ينطبق على جميع أنواع الاستثمار. فعلى سبيل المثال، إذا وقفت في وسط داون تاون برج خليفة في دبي ونظرت من حولك، فلن ترى سوى أبراج شامخة تعلوها العلامة التجارية الشهيرة لشركة إعمار.

    هذه العلامة ليست مجرد شعار تجاري، بل هي خندق حماية تنافسي بحد ذاتها، يدرك المستثمر من خلالها أن لدى الشركة ما يميزها في خلق تدفقات مالية مستدامة لا تنقطع مهما اشتدت المنافسة. ولهذا السبب، يميل المستثمر لتفضيل وضع أمواله في شركة إعمار دون غيرها. وأنا هنا أتحدث بهدف توضيح الدوافع المنطقية التي تجعل المستثمر يختار محفظة استثمارية معينة دون أخرى، بناءً على قوة خندقها التنافسي وقدرتها على الصمود والاستمرار.

    في تجربة شخصية تعلمت منها الكثير حول خندق الحماية التنافسية رغم أن مجرد تذكّرها يزعجني، لأن خسارتي فيها بلغت نصف مليون درهم. فقد استثمرت حينها برأس مال في مشروع ترفيهي، وكنت أنظر إليه بعين المستهلك المتحمّس لا بعين المستثمر الواعي. في ذلك الوقت، كأن الناس ما عندهم شغل إلا الترفيه، فتوهمت أن المشروع سيزدهر بلا توقف. اعتمدت على التحليل الكمي في دراسة الفرصة، ولم يخطر ببالي أن التدفقات موسمية بطبيعتها.

    فوقعت في أخطاء يمكن اعتبارها هي أيضاً “كمّية”، منها أن المالك عمّر المشروع من أموال المساهمين، ودخل هو فيه كدائن لا كمساهم، ما منحه أولوية في الحقوق بينما كنّا نحن نحمل الأسهم فقط. كان استثماراً بلا خندق… بل قلعة بلا حصن. كل شيء كان مكتوباً بوضوح في نشرة الاكتتاب، لكن الحماس غطّى البصيرة. ومن تلك التجربة، تعلمت درساً لم أتعلمه في أي كتاب دراسي.

    في النهاية، تبقى الفرص الاستثمارية كثيرة، ومديرو المحافظ أكثر، لكن القلّة القليلة فقط أمثال وارن بافت من يملكون الرؤية الواقعية التي تسبق التنبؤات الكمية، ويستطيعون من خلالها تعظيم أرباح المستثمرين بثبات وذكاء. وكما قال بافت: “الاستثمار الحقيقي هو ذلك الذي أضع فيه رأس مالي ويحقق لي أرباحاً وأنا نائم.”

    فالمستثمر الناجح لا يبحث عن صفقة عابرة، بل عن شركة تملك خندق حماية يحرس تدفقاتها المالية حتى وهو نائم مطمئنّ البال.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • التداولات العقارية بين الصمود والانهيار: من يفقد توازنه أولاً؟

    7 نوفمبر 2025

    في فترات النمو والانتعاش، يتحول السوق العقاري إلى مشهد مزدحم بالحركة والوعود. الجميع يبيع والجميع يشتري، والمشاريع تُطرح بسرعة، والإعلانات تملأ الشوارع وكأن الفرص لا تنتهي. لكن ما إن يتغيّر المزاج الاقتصادي وتلوح ملامح الأزمة، حتى يتبدّل المشهد بالكامل. تتراجع الإعلانات، وتختفي المكالمات، ويعمّ الصمت الأسواق، فلا أحد يرغب بالبيع ولا أحد مستعد للشراء. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا يحدث داخل السوق؟ وما الذي يحدث للتداولات العقارية عندما تتوقف عجلة النمو وتبدأ مرحلة التصحيح؟

    الأزمات العقارية تحدث في الغالب بسبب التوسع المفرط في الإقراض والمضاربات العقارية مع ضعف الرقابة، ورغم أن هناك العديد من العوامل التي قد تجرّ القطاع العقاري إلى أزمة، إلا أن هذه المسببات تُعد الأخطر، ويتوجب أن تكون دائمًا تحت رقابة الجهات التنظيمية.

    عند حدوث الأزمة، يكون التأثير المباشر على التصرفات العقارية، لأن التصرف في جوهره يُعتبر ردة فعل للأزمة ونتيجة لوقوعها. وتتم التداولات العقارية من خلال نوعين من الأسواق المتخصصة.

    النوع الأول هو الأسواق التي تتداول الأصل والقيمة معًا، وهي أسواق مثل الهيئات والمؤسسات ومراكز التسجيل العقاري، وغالبًا ما يتم تشغيلها من قبل الجهات الحكومية. تختص هذه الأسواق بنقل القيمة مع الأصل بشكل فعلي وتعتمد على نظام تقييم حقيقي يأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل المتعلقة بالأصل نفسه. ومن أمثلتها تداول العقارات الجاهزة والبيع على المخطط والتأجير والتأجير الذي ينتهي بالتملك والرهونات العقارية والتبادلات العقارية. في مثل هذه الأسواق، العامل الزمني ليس له أثر أثناء التداول لأن الصفقات لا تُنفذ بشكل لحظي بل بعد التحقق من الملكية والقيمة الحقيقية.

    أما النوع الثاني فهو الأسواق التي تتداول القيمة فقط، إذ يتم تداول القيمة التي تستند إلى الأصل دون تداول الأصل نفسه، وتنظمها أسواق المال والبورصات المستقلة ذاتيًا. تعتمد هذه الأسواق على آلية تداول قائمة على أسعار الافتتاح والإغلاق، ويعتمد تقييمها على العرض والطلب المبني على تدفقات الأصول الحقيقية. ومن أمثلتها حقوق الاستثمار الجماعي في صناديق REITs والتصكيك العقاري وتداول الأصول العقارية المشتقة وتداول الرموز العقارية. في هذه الأسواق يكون عامل الوقت بالغ الأهمية، لأنها تعتمد على التداول اللحظي وتتأثر مباشرة بالسيولة وأسعار الفائدة، ولهذا السبب تستخدم بعض البورصات العالمية ما يُعرف بالساعات الذرّية (Atomic Clocks) لضبط الزمن بدقة متناهية أثناء التداول لضمان العدالة بين المتداولين في تنفيذ الأوامر وتتبع الترتيب الزمني للصفقات بدقة، خصوصًا في التداول عالي السرعة.

    الأزمات العقارية أو الاقتصادية ذات العلاقة تؤثر في حقيقة الأمر على أداء هذين النوعين من الأسواق، غير أن درجة التأثير لا تكون متساوية بين جميع أنواع التداولات العقارية، إذ تتفاوت بحسب طبيعة الأصل وعمق ارتباطه بالسيولة والثقة في السوق. وفيما يلي ترتيب هذه التداولات من الأكثر حساسية وتأثرًا إلى الأقل تأثرًا.

    أولاً: تداول عقود البيع على المخطط او الخارطة كما يسميها البعض وتداول الرموز العقارية وتداول الأصول العقارية المشتقة.

    تُعد هذه الأنواع الأكثر حساسية بسبب غياب الأصل الفعلي، فليس هناك أصل جاهز يُمسك أو يُستخدم، وعد أو رمز أو مشتق يمثل الأصل. قيمتها مبنية على توقعات مستقبلية مثل تسليم مشروع أو استمرار منصة أو اتجاه سعر، لذلك فهي تعتمد كليًا على الثقة. عند تراجع السيولة أو الثقة في السوق، ينهار الطلب فورًا لأن الجميع يحاول البيع. كما أنها غالبًا تستخدم تمويلًا أو رافعة مالية، ما يؤدي إلى تضاعف الخسائر عند أول هبوط. وتواجه الجهات التنظيمية صعوبة في السيطرة عليها بسرعة لأنها تراقب النظام المالي أكثر من الأصل الحقيقي.

    ثانيًا: تداولات التصكيك العقاري والرهونات العقارية والتمويل بالملكية الجزئية والاستثمار الجماعي العقاري REITs.

    تتأثر هذه الأنواع بشكل متوسط أثناء الأزمات العقارية لأنها تعتمد على التدفقات النقدية المنتظمة مثل الأقساط أو التوزيعات أو الإيجارات. يظهر الخطر عندما تتعطل الدورة النقدية بسبب ارتفاع الفائدة أو التعثر في السداد. كما أن تأثرها مرتبط بسعر الفائدة، فزيادة الفائدة ترفع كلفة التمويل وتقلل العائد، ما يضعف الطلب. ومستوى المخاطرة فيها موزع بين أطراف متعددة مثل البنوك والمستثمرين والمستأجرين، لذلك يكون الانهيار تدريجيًا وليس فوريًا. وفي النهاية، الأصل موجود فعليًا كعقار أو وحدة، لكنه غير قابل للتسييل السريع دون خسارة، أي أن الأزمة هنا مالية وليست أزمة ثقة، فهي تضرب السيولة والسداد لا الكيان نفسه.

    ثالثًا: تداولات التأجير الاعتيادي وتداول العقارات الجاهزة.

    تُعتبر هذه الأنواع الأكثر استقرارًا لأنها ترتكز على أصول حقيقية واحتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها حتى أثناء الأزمات. العقار موجود فعلاً ومستخدم سواء كان سكنًا أو مكتبًا أو متجرًا، فلا يوجد عنصر ثقة مستقبلية كما في الأنواع الأخرى. الطلب على السكن والإيجار حاجة دائمة، وحتى في الأزمات الناس تستمر في السكن والدفع ولو بمبالغ أقل. التداول هنا أقل مضاربة وأكثر واقعية، لذلك يكون التقلب محدودًا. الأصول الجاهزة لا تختفي قيمتها بل تُعاد تقييمها دون انهيار شامل، لأن البيع يتطلب وقتًا وإجراءات، فلا يحدث هلع جماعي كما في أسواق البورصة.

    في النهاية، تُظهر الأزمات العقارية أن الأسواق لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ من أضعف حلقاتها. التداولات المبنية على الوعود تنهار أولاً، بينما تظل الأصول الحقيقية أكثر ثباتًا. فكلما كانت الرقابة أقوى والتمويل أكثر انضباطًا، كان التعافي أسرع والأثر أخف.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • الاستثمار بين التنويع والانكشاف: من سلة البيض إلى محفظة المستثمر

    31 أكتوبر 2025

    يقول الكاتب الشهير ميغيل دي ثيربانتس، واللي نعرف كلنا قصته الشهيرة دون كيشوت، الرجل الذي خرج ليحارب الطواحين ظنًّا منه أنها عمالقة، عبارته الخالدة “لا تضع بيضك في سلة واحدة” جملة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر فلسفة استثمارٍ كاملة. جاءت لتوضيح فكرة تقليل المخاطر فحين تضع كل ما تملك في سلة واحدة، فإن سقوطها يعني ضياع كل شيء، أما إذا وزعت الأصول بحكمة، فإن خسارة سلة لا تعني خسارة كل شيء.

    لكن من واقع الاستثمار والمنطق العملي، لا يمكن للإنسان أن يُوزّع البيض على عددٍ كبير من السلال لأنه سيواجه صعوبة في حملها وإدارتها والإشراف عليها. فالإنسان ليس أخطبوطًا يستطيع أن يحمل ألف سلة في آنٍ واحد.

    البيض هنا يرمز إلى الأصول التي تشتريها بأموالك، والسلة ترمز إلى محفظتك الاستثمارية، وهي في النهاية واحدة وليست متعددة. والمغزى الحقيقي من المثل هو التحوط من المخاطر، بحيث لا تترك مصيرك المالي رهينة أصلٍ واحدٍ أو قطاعٍ واحد.

    ومن المثير أن الملياردير الصناعي أندرو كارنيجي خالف هذا المبدأ وقال “ضع كل بيضك في سلة واحدة، وراقب السلة جيدًا.” وجهة نظره منطقية إذا كنت تملك السيطرة الكاملة على السلة، لكن في عالم الأسواق، حتى أكثر المستثمرين حذرًا لا يمكنهم السيطرة على الزلازل الاقتصادية التي تهز الجميع بدرجات مختلفة.

    وهنا ندرك أن الأزمات المالية تشبه الزلازل، تبدأ بهزة في مكان ما، ثم تمتد ارتداداتها إلى بقية الأسواق والقطاعات. لذلك، لا يكفي توزيع الأسهم داخل سوق واحد، لأن السوق بأكمله سيتأثر بالاهتزاز نفسه. التنويع الحقيقي يكون عندما تدمج بين أصول تقليدية وأصول غير تقليدية في المحفظة الواحدة ، بحيث تختلف في طبيعتها وردة فعلها تجاه تقلبات السوق.

    فالأصول التقليدية تشمل الأسهم والصكوك والسندات، أما الأصول غير التقليدية فتشمل العقارات الاستثمارية، والمعادن الثمينة كالذهب والفضة، والعملات الرقمية على سبيل المثال لا الحصر. هذا المزيج المتوازن يشبه وضع البيض مع التفاح والعسل في سلة واحدة، فإذا تكسّر أحدهما بقي الآخر صامدًا لان التفاح غير قابل للكسر.

    التنويع لا يعني الكثرة، بل الاختيار الواعي. المستثمر الذكي يختار الأصول التي يفهمها ويعرف كيف يقيمها ويتابعها، أما من يملأ محفظته بكل ما يقع تحت يده، فإنه لا يملك تنويعًا حقيقيًا، بل فوضى مالية يصعب إدارتها.

    احرص على أن تحتوي محفظتك على أصول تحقق تدفقات نقدية منتظمة مثل الصكوك والسندات، وأصول ترتفع قيمتها مع الزمن مثل الأراضي والذهب، وأصول هجينة تجمع بين العائد الدوري وارتفاع القيمة بمرور الوقت مثل الأسهم والعقارات التجارية المؤجرة. بهذه الطريقة، تبني توازنًا يحميك من الهزات ويمنح استثمارك استقرارًا طويل الأمد.

    عام 2022 كان مثالًا قوياً على ذلك، حين انهارت منصة FTX للعملات الرقمية التى أسسها سام بانكمان فريد عام 2019 أصغر ملياردير أمريكي خريج جامعة MIT وخسر آلاف المستثمرين أموالهم لأنهم وضعوا كل ما يملكون في أصلٍ واحد دون أي بدائل. كانت تلك لحظة سقوط السلة الكبرى، حين لم يجدوا في محافظهم بيضه واحدة لم تنكسر.

    وفن التنويع لا يقوم على الصدفة، بل على منهجية علمية دقيقة، تُحدَّد فيها أوزان الأصول ويُقاس خلالها مدى ارتباطها بالمؤشرات الاقتصادية مثل التضخم وأسعار الفائدة والنمو. الهدف ليس التشتت، بل تحقيق التوازن بين العائد والمخاطرة وضمان بقاء رأس المال في مأمن مهما تبدلت الظروف.

    وفي الختام، أُضيف على ما قاله أندرو كارنيجي في مسألة السلة الواحدة، بأن المستثمر الذكي هو من يضع في سلته بيضًا وتفاحًا وعسلًا. فأنا هنا أقصد تنوع الأصول وليس البيض فقط، فأنت تملك سلة واحدة، فلماذا تملأها بما هو قابل للكسر؟ ضع فيها ما يحافظ على توازنها وقيمتها، فحتى وإن سقطت، خسرت البيض وغنمت ما لا ينكسر.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • أنجلوساكسونية التمويل العقاري… وولادة النموذج المركزي في الخليج

    24 أكتوبر 2025

    يُروى أن البنّائين في العصور القديمة اجتمعوا لبناء برجٍ يلامس السماء، سُمّي لاحقًا برج بابل. كان الهدف واحدًا، لكن الأصوات كانت كثيرة، وكلٌّ يعمل بلغته وبطريقته، حتى تعثّر المشروع وسط الفوضى وتفرّق الجمع.

    تلك القصة القديمة تُشبه إلى حدٍّ بعيد ما يحدث في الأسواق المالية حين تُترك بلا مركز، حيث تتعدد الأصوات والمصالح، ويغيب النظام الذي يضبط الإيقاع. ومن بين هذا الصخب وُلدت الحاجة إلى المركزية، لا كأداة تقييد، بل كمنظومة تُعيد التناغم إلى السوق.

    ومن هنا، بدأت فكرة التنظيم تظهر كضرورة في الاقتصاد الحديث، تمامًا كما حدث في الخليج بعد الطفرة العقارية العالمية.

    الطفرة العقارية العالمية الممتدة من الفترة 2003 – 2008 قد يعتبرها بعض المحللين مرحلة انتهت بخاتمة وخيمة، تمثّلت في أزمة عقارية دوّت بانهيار الأسواق العالمية وسقوط كيانات اقتصادية كبرى. وكما يُقال مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ، فقد كانت التجربة في دبي على وجه الخصوص فريدة ومختلفة؛ إذ شكّلت بداية عصر جديد في التمويل العقاري، وولادة نموذج تمويلي يتوافق مع طبيعة اقتصادها واقتصادات الدول النامية، من خلال تقليص عبء السوق العقاري في إدارة نفسه.

    الأنجلوساكسونية تعني حرية السوق، وهي مدرسة ليبرالية تتبعها الدول المتقدمة التي تمتلك أسواقًا ناضجة، ومشترين مؤهلين، وأنظمة إفلاس قوية. ومن هذا النظام وُلدت المدرسة التنظيمية، أي نظام التمويل المركزي، الذي طبقته دبي عام 2007 بموجب القانون رقم (8) لسنة 2007، ثم توسّع إلى أبوظبي بموجب القانون رقم (3) لسنة 2015، وبدأ هذا النمط ينتشر في دول الخليج وشرق آسيا بعد نجاح تطبيقه.

    وقد بلغت نسبة تطبيق هذا النموذج عالميًا نحو 30% من إجمالي النمط اللامركزي السائد بين دول العالم، في نهجٍ متسارع النمو. كما يعتبر صندوق النقد الدولي (IMF) النموذج الإماراتي في عمليات التمويل العقاري أكثر أمانًا لطبيعة اقتصاد الدول النامية.

    إن التمويل، بشكل عام، يعتمد على ما يقدّمه المقترض من ضمانات للمقرض. وفي مشاريع البيع على المخطط، غالبًا ما تكون هذه الضمانات قائمة على التدفقات النقدية، سواء على مستوى المشروع نفسه (Project Finance) أوعلى مستوى إيرادات الشركة (Corporate Finance). في الحالة الثانية، تضمن الشركة سداد القرض من إيراداتها وليس من إيرادات المشروع. وهذا هو ما تتبعه أنظمة التمويل العقاري المركزي في دول الخليج وشرق آسيا، حيث تضع السلطات التنظيمية قوانين تُقيّد استخدام أموال التمويل، وتُلزم بإيداعها في حسابات الضمان، وتحدد طرق وأغراض استخدامها. أما التمويل الذي يقوم على مستوى المشروع فيسمح للممول بالاستفادة من تدفقات المشروع، وهو أمر محبذ لدى البنوك والمطورين، لكنه لا يخدم المودعين أو المشترين، لكونهم في الغالب غير مؤهلين أو يفتقرون إلى الخبرة الكافية لفهم هذا النوع من الاستثمارات.

    ويتساءل البعض هل النمط المركزي يتفوق على النمط اللامركزي في عمليات التمويل العقاري؟

    والإجابة المنطقية هي لا يوجد نمط يتفوّق على الآخر، بل يعتمد ذلك على درجة نضوج السوق العقاري. فالمركزية في التمويل لا تخدم الأسواق المنفتحة التي تعتمد على حركة سريعة للأموال وتستخدم أدوات تكنولوجية لامركزية ومتطورة، وتعتمد على عوامل تنظيم ضمنية داخل السوق نفسه. لذلك، تُعتبر المركزية في مثل هذه الأسواق عائقًا أمام تقدّم عجلة التطوير العمراني. وفي المقابل، فإن تطبيق نمط لامركزي في الأسواق الناشئة قد يضر بالسوق ويُبطئ عجلة التقدّم، بينما تسمح المركزية بتسارع التنمية العمرانية بالتوازي مع نضوج مكونات السوق، مثل زيادة شريحة المستثمرين المؤهلين، وتعدد الممولين، وحوكمة شركات التطوير.

    إن البنية التحتية للسوق تساهم كذلك في تحديد أي النمطين أنسب له، من خلال القوانين، ومستوى الأمن والاستقرار، وثبات الأسعار، وتنوع خيارات الاستثمار، ووضوح الفرص البديلة. فهي منظومة متكاملة تؤثر في تشكل النمط. كما أن طبيعة الأنماط تتغير بتغير متغيرات السوق، فمع نضوج الأسواق الخليجية قد لا تكون أنماط المدرسة التنظيمية في التمويل العقاري مناسبة في مرحلة زمنية لاحقة.

    إن الانتقال بين الأنماط أو الدمج بينها هو ميزة مرونة تتمتع بها الأسواق الواعدة، وهو نموذج قائم في بعض الأسواق مثل سوقي أبوظبي ودبي، حيث يمكن للمستثمر تطبيق التمويل على مستوى المشروع في التمويل العقاري الشخصي، ولا يُستبعد تطبيق هذا الأسلوب مستقبلاً على مستوى المشاريع التطويرية الكبرى، بفضل جاهزية قطاع الائتمان وقدرته على إدارة المنظومة بشكل مبتكر ومحكَم.

    إن تمويل مشاريع التطوير العقاري ليس مجرد عملية ضخ أموال في حسابات الضمان، بل هو فلسفة اقتصادية تحددها الدولة وفق أولوياتها التنموية، لتضمن التوازن بين حماية المستثمر وتسارع النمو.

    فالمركزية في الخليج لم تأتِ لتكبح السوق، بل لتعيد بناء الثقة وتحمي مسيرة العمران.

    سيف النعيمي

    محلل مالي

  • توكنة الأصول العقارية

    17 أكتوبر 2025

    قال تود ليبيات، ونقل عنه الكاتب تيم فريس المؤسس المشارك لمنصة Tokenist في مقال نُشر عام 2019:

    “أعتقد أنه في وقتٍ ما كان لدينا اهتمام بقيمة 3 مليارات دولار في الترميز، ولكن عندما بدأت في تصفية هذا الاهتمام، اكتشفت أن هناك كثيرين يريدون جمع المال لصفقات سيئة حقًا.”

    كان اسم تود ليبيات مرتبطًا بأول صفقة ترميز عقاري في العالم، لعقار يقع في منهاتن، ضمن شراكة بين شركتي Propellr و Fluidity. الصفقة حظيت بتغطية إعلامية واسعة من بلومبرغ أواخر عام 2018، لكنها انتهت بالفشل بعد انفصال الشركتين وعودتهما للتركيز على نشاطهما الأساسي بعيدًا عن ترميز الأصول العقارية.

    الترميز كأداة مالية ليس فكرة جديدة في عالم المال، فمن حيث المبدأ يشبه تمامًا أدوات مثل عقود الخيارات والعقود المستقبلية والتزامات الدين المضمون (CDOs وCLOs)، لأنه يستمد قيمته من أصل حقيقي أساسي. ومن خلال هذه الأداة يمكن إعادة بيع “الوعد” أو “الالتزام” لمستثمر جديد مقابل ربح أو فائدة أو تدفق مالي ثابت.

    وهذا ما دفع ليبيات وشريكه سام سابر إلى محاولة الاستفادة من دمج تكنولوجيا البلوكتشين بجلب سيولة جديدة للقطاع العقاري عبر معاملات ترميز الملكية العقارية.

    الترميز أو Tokenization هو نوع من التوريق الرقمي يتم على شبكات البلوكتشين فهو لا يهدف إلى بيع الأصل نفسه، بل إلى توسيع قاعدة المستثمرين المهتمين بقيمته المستقبلية وما قد يدره من عوائد. وهذا السوق له جمهوره، من مستثمرين متمرسين أو صناديق ضخمة كصناديق التقاعد والتحوط، التي لا تمانع في تحمّل قدر من المخاطرة.

    وهنا مربط الفرس الذي يجمع كل المشتقات المالية “المخاطرة” ففي النهاية، أنت ترشّح نفسك لتحمل جزء من المخاطرة بدل المتعاقد الأصلي، مقابل أملٍ في ربح متوقع. الجهد الحقيقي للمستثمر هنا ليس في إدارة الأصل، بل في تحمّل المخاطرة نفسها.

    وما لفت انتباهي في مقولة ليبيات عندما قال “هناك كثيرون يريدون جمع المال لصفقات سيئة حقًا” هو إشارته الضمنية إلى ترميز صفقات عالية المخاطر، مثل ترميز عقارات منخفضة الدخل كالإيجار أو عجز مالكوها عن بيعها، أو ترميز عقود بيع على الخارطة لمشروعات يطورها مطورون ذوو ملاءة مالية ضعيفة أو مشترين عاجزين عن الوفاء بسداد قيمة الشراء وقد تنتهي بفشل انجاز المشروع العقاري، أو حتى ترميز عقارات فقدت قيمتها السوقية بسبب تغيّر التوجهات العمرانية.

    وهذا هو واقع عمليات التوريق عمومًا هو نقل المخاطرة من طرفٍ إلى آخر. ودائمًا هناك من هو مستعد لتحمل تلك المخاطرة، سواء بعناية أو بمغامرة.

    الحذر المطلوب اليوم من الجهات الرقابية هو ضمان عدم تكرار ما حدث في أزمة 2008، عندما بدت بنوك تمويل المنازل الأمريكية في أبهى صورة بينما كانت تخفي وراءها صفقات شركات الغرض المحدد (SPV)، التي فشلت في تحقيق أرباح لحملة التزامات الدين المضمون، وانكشفت لاحقًا كأكبر عملية غطاء تحايلي أشعلت أزمة مالية عالمية.

    فشل محاولة ليبيات في ترميز عقار مانهاتن لا يُعد فشلًا للترميز كفكرة، فهناك بالفعل تجارب ناجحة في دول مثل سويسرا ولوكسمبورغ وسنغافورة ومؤخرًا دبي.

    لكنها أدوات استثمارية صُممت للمتمرسين، وعلى المستثمرين الأفراد أن يفهموا الغرض من الترميز جيدًا عبر نشرات الاكتتاب، ويطّلعوا على السجل التاريخي للتدفقات المالية، ويسألوا لماذا ينوي المالك نقل المخاطرة إلى شريحة أكبر من المستثمرين؟

    هذه الأسئلة يجب أن تسبق أي قرار اكتتاب، مع أهمية تنويع الأدوات داخل المحفظة وعدم الاعتماد فقط على أدوات عالية المخاطر.

    الرقمنة المالية تتسارع بدخول الأنظمة اللامركزية مثل البلوكتشين والذكاء الاصطناعي في إدارة الاستثمارات العقارية، وقد بدأت المنظمات الدولية بالفعل بسنّ التشريعات والقيود التي تحدّ من التحايل، مثل إلزام الإفصاح (KYC) ومعايير الشفافية.

    ورغم كل هذا، تبقى عمليات ترميز الأصول العقارية معقدة ومتغيرة، تحتاج إلى وعي وفهم حقيقي للمخاطر والتقييم والحوكمة.

    الترميز العقاري ليس مجرد موضة رقمية، بل امتداد طبيعي لتطور أدوات التمويل الحديثة. لكنه مثل كل أداة مشتقة، يحمل فرصًا كبيرة… و مخاطر أكبر لمن لا يفهم آلياته.

    سيف النعيمي

    محلل مالي 

  • نظرة استباقية

    18 مايو 2020

    لم يكن فايروس كورونا والوضع الراهن سبباً في نجاح دولة الامارات حكومةً وشعباً في استمرارية الأعمال والحياة بالرغم من تفشي الوباء في المجتمع، نحن لم يغيرنا هذا الفايروس لأننا مؤمنين بأن التغيير يبدأ من تَغيّر الذات وإن الله لن يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم فأنا شخصياً لا اعترف بتاتاً بأن ما توصلنا إليه اليوم من نجاح في العمل والتعليم عن بُعد وفي استمرار تقديم الخدمات رقمياً واعتماد طرق الدفع آلياً وتنفيذ الحوافز والخطط البديلة لإبقاء الوضع وكأنه لم يكن هناك أي أزمة هو بسبب المزعوم كورونا.

    في دولة الإمارات قبل هذه الجائحة سُمح للعديد من الوظائف والخدمات الحكومية وخدمات القطاع الخاص أن تستكمل عملية تطورها الطبيعي وفق نظرة استباقية ساعدتها بالتحول سواء كان تحولاً تراكمياً تدريجي او إحلالًا جذرياً مباشر وأقول تحول طبيعي او تطور لأننا نعلم جيدا وعلى يقين بأنه مع كل تقدم علمي و ولادة تقنية جديدة تحدث هناك تغيُرات لابد من مواءمتها والتكيف معها عاجلاً أم آجلًا وهذا ما رأيناه من خلال الخطط الاستراتيجية الموضوعة من قبل الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، وعلى الصعيد الاتحادي نذكر ونعي تماماً ما رسمه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كخارطة للطريق توضح توجه إمارات المستقبل وكان ذلك من خلال إفلات عجلات التغير بروح الإصرار والتفاؤل فما كانت نتيجة ذلك إلا قفزات نوعية في القطاع العام من حكومة تقليدية إلى حكومة إلكترونية ومن ثم حكومة رقمية والآن نحن على مشارف عالم الذكاء الاصطناعي أنها رؤية ثاقبة يكمُن جمالها بأنها لم توضع هذه الخطط لإستراتيجية معينة بل كانت المشاريع الجديدة مصممة لكل الظروف المحتملة بما فيها وضعنا الراهن وكأن تلك المشاريع جميعها صُممت على نحو ماذا لو لم نستطيع الخروج من البيت.

    هذه النظرة المستقبلية يمكننا رؤيتها بوضوح أكثر وأدق في إمارة أبوظبي ايضاً فعلى الصعيد المحلي للامارة نقطف اليوم ثمار غرس الفكر النير لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد “بطل هذه الأزمة” من تأسيس الشركات والهيئات الخدمية العاملة والهادفة على تحقيق أعلى معايير الجودة في الحياة متمثلة في القطاع الطبي والخدمي والتعليمي جميعنا اليوم نرى كيف تُدار الأزمة من خلال هذه المؤسسات بقيادة سموه ليس على الصعيد المحلي للإمارة فحسب إنما على المستوى الاتحادي والإقليمي والدولي من خلال تقديم الخبرات والمشورة في تدابير إدارة هذه الأزمة أو مد يد العون والمساعدة العينية للدول الشقيقة والصديقة، ولقد كان لإنشاء ادارة متخصصة بالأزمات سابقاً فضل كبير في نجاحنا اليوم في الحفاظ على قوام واستقرار الحياة في دولة الامارات.

    هذا النجاح هو ثمرة جهود سبقت وفاقت توقعات المجتمع الدولي وما كان وعد “بوخالد” أمدّ الله في عمره عندما قال “ولا تشيلون هم” إلا برهاناً وتأكيدًا على تلك الاستعدادات التي اخذت في عين الاعتبار المخزون الوطني من الغذاء والدواء والكساء بالإضافة إلى الخطط التشغيلية البديلة لأجهزة الحكومة والقطاع الخاص ومتابعة سموه شخصياً كفاءة تشغيل هذه الخطط ودعم وتمكين القائمين عليها بشكل مباشر وبكل شفافية لكافة أفراد المجتمع المحلي والدولي وهكذا هي الامارات نموذجًا للمقارنة المعيارية لكل من أراد الاستفادة من هذه التجربة الناجحة في تحقيق الأمن والأمان والاستقرار لشعبها وشعوب العالم في أصعب الظروف.

    هذا الوباء لم يكن كفيل بإقاف عجلة التقدم والازدهار وما كان ليسبق جهود وحنكة “بو خالد” والاستعدادات المبذولة سواء في ظروف عادية أو غير اعتيادية وهذا الأمر ليس بجديد على عيال زايد فهو ميراث زايد الأب المؤسس لهذه الدولة المعطاء رحمه الله، لقد كان دائما ينظر نحو مستقبلٌ مُشرق وخلدت نظرته دولة واحدة متينة لها مكانتها بين الأمم وكان رحمه الله أبعد من ذلك في نظرته للانسان والبيئة والزراعة هكذا هي الإمارات والعجلة مستمرة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله ورعاه وأخوانه الحكام من أجل الإنسانية ومن أجل مستقبلًا واعد.

    دمتم بودّ

    سيف النعيمي- العين

    محلل مالي