سعر الفائدة: شريعة حمورابي وسياسة دونالد ترامب

6 فبراير 2026

نحن نعيش مقتنعين أن قراراتنا الاقتصادية شخصية تمامًا نشتري لأننا نريد نؤجل لأننا نخاف نستثمر لأننا نطمح لكن الواقع أكثر هدوءًا وأعمق دهشة كثير من هذه القرارات لا تبدأ منا أصلًا في مكان بعيد عن ضجيج الحياة يُتخذ قرار واحد صغير في شكله لكنه كبير في أثره تغيير سعر الفائدة هذا القرار لا يأمر الناس ولا ينهى بل يغيّر مزاجهم الاقتصادي بهدوء يجعل الاقتراض يبدو خفيفًا أو ثقيلًا ويحوّل الشراء من رغبة إلى تردد أو من تردد إلى اندفاع الهدف ليس التحكم في الأفراد بل موازنة الإيقاع العام للحياة الاقتصادية ألا يركض الناس أسرع من قدرتهم ولا يتوقفوا خوفًا من الخطوة التالية ومن هنا حين نسمع عن قرارات تصدر من جهات مثل الاحتياطي الفيدرالي فنحن في الحقيقة لا نسمع خبرًا ماليًا بل نسمع محاولة هادئة لتنظيم شهية البشر للاستهلاك دون أن يشعروا أن أحدًا ينظمها أصلًا.

المنظومة المالية أبسط مما تبدو لكنها أذكى مما نتصور المال في كل الأحوال هو مال الناس ودائع رواتب مؤجلة فوائض لم تُصرف بعد بعضه ينتظر وبعضه يُستدعى قبل أوانه وبينهما تتحرك عجلة الإقراض البنوك لا تملك هذا المال ولا تخلقه بل تديره مؤقتًا وتتحمل مسؤولية توجيهه وتسعير مخاطره وحتى هذه البنوك لا تعمل في فراغ فهي بدورها تضع فوائضها لدى البنوك المركزية وتقترض عند الحاجة في دورة أوسع لا يتغير فيها الجوهر أموال الناس تنتقل بين مستويات مختلفة من الثقة في هذه الطبقات المتراكبة يصبح سعر الفائدة لغة مشتركة لتنظيم هذه الحركة لا لتغيير ملكية المال هو أداة لقياس الزمن والمخاطرة معًا لأن أي تسعير خاطئ لا يضر المؤسسات أولًا بل يعرّض مدخرات الأفراد واستثماراتهم للاهتزاز ومن هنا حين تُحدد جهات مثل الاحتياطي الفيدرالي مستوى الفائدة فهي لا تتحكم في أموال الناس بل تحاول حماية التوازن الذي يمنع المال من أن يضيع بين الإفراط في الجرأة والإفراط في الخوف.

بدأت قصة سعر الفائدة مع حمورابي من غير قصد لتأسيس مفهومها الحديث كان يحاول حل مشكلة بسيطة في ظاهرها وخطيرة في أثرها مزارعون يحتاجون القمح قبل موسم الحصاد وتجار يحتاجون المال قبل عودة القوافل وأناس تملك الفائض لكنها تخشى أن لا يعود في غياب قاعدة كانت الخلافات حاضرة تأخير في السداد إنكار وأحيانًا استغلال فجاء الحل عمليًا لا فلسفيًا من يأخذ اليوم يُعيد أكثر لاحقًا الزيادة لم تكن ربحًا بقدر ما كانت اعترافًا بأن الزمن مخاطرة وأن الانتظار له ثمن خرج هذا العرف مع القوافل وانتقل من قمح إلى فضة ومن اتفاق شفهي إلى ممارسة مفهومة وحين وصلت الفكرة إلى أوروبا لم تدخل كقانون بل كضرورة التجارة اتسعت الرحلات طالت والمخاطر تضاعفت هنا التقطتها بيوت المال العائلية وعلى رأسها عائلة ميديتشي فحوّلت العرف إلى نظام وربطت الزيادة بالمخاطرة لا بالأهواء ومن فلورنسا انتشرت القاعدة في مدن أوروبا ثم عبرت القارات حتى أصبحت لغة عالمية لتنظيم الإقراض المفاجأة أن الفائدة لم تنتشر لأنها مثالية بل لأنها أقنعت الناس أن يعيروا مالهم دون خوف من ضياعه.

بالنسبة لغالبية الناس معرفة سعر الفائدة لا تغيّر سلوكهم المباشر ولا تدخل في قراراتهم اليومية من لا يقترض ولا يستثمر لن يجلس ليعيد حساباته لأن رقمًا أُعلن في مؤتمر صحفي ومع ذلك يُعلن سعر الفائدة للجميع لا لأنه مطلوب من الجميع أن يتفاعلوا معه بل لأنه القاعدة التي تُبنى عليها علاقات لا نراها تسعير القروض التزامات البنوك وحماية أموال المودعين الشفافية هنا ليست دعوة للفعل بل إعلانٌ عن الشروط التي يعمل بها النظام المالي نفسه قد تتحول هذه الإعلانات أحيانًا إلى مادة سياسية أو إعلامية لكن وظيفتها الأصلية أبسط من ذلك بكثير أن لا يُقرض مال الناس ولا يُتداول ولا يُسعَّر الخطر في الخفاء.

في التطبيق العملي لا يعمل سلاح سعر الفائدة في فراغ بل يدخل أحيانًا في شدٍّ وجذب مع السياسة المالية نفسها السياسة المالية ببساطة هي قرارات الحكومة في الصرف والإنفاق والضرائب بينما السياسة النقدية تتحكم في تكلفة المال ولهذا رأينا مشاهد بدت للناس وكأنها صراع شخصي مثل ما كان يظهر بين دونالد ترامب وجيروم باول الحقيقة أن ترامب لم يكن ندًا لباول بصفته رئيس دولة بل بصفته رأس هرم السياسة المالية رئيس يوسّع الإنفاق ويضغط على الاقتصاد من جهة فينتظر من السياسة النقدية أن تساير الاتجاه وباول من جهته لم يكن يعارض شخصًا بل يحاول حماية استقلال السياسة النقدية وضبط التضخم ترامب لم يستطع إقالته لأن البنك المركزي مستقل لكنه استخدم أداة أخرى الإنفاق كوسيلة ضغط غير مباشرة هنا تتضح الصورة الخفية حين تتحرك السياسة المالية بقوة تُجبر السياسة النقدية على التفاعل لا خضوعًا بل حفاظًا على التوازن المشكلة لا تظهر عندما تختلف الأدوات بل عندما تُسحب كلها في اتجاه واحد توسع مالي مع فائدة منخفضة قد يطلق التضخم وتشدد مالي مع فائدة مرتفعة قد يخنق الاقتصاد في النهاية ليست المسألة أشخاصًا بل تناغم أدوات ومن لا يفهم هذا يظنها معركة كراسي وهي في الحقيقة معركة إيقاع.

وبعد آلاف السنين ما زال العالم يغيّر الأرقام ويبدّل المسميات لكنه يعود دائمًا إلى الفكرة نفسها حين يكون المال واضحًا تقل الخصومات ويهدأ المجتمع هكذا من قمح بابل إلى قرارات البنوك المركزية بقي الدرس بسيطًا الوضوح هو أقدم سياسة نقدية عرفها الإنسان.

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق