
16 يناير 2026
لم يكن عدو الإنسان يومًا نقص المال ولا قلة الفرص، بل جهله، فالجهل هو البوابة التي يدخل منها كل استغلال، وهو التربة التي تنمو فيها كل خدعة. الإنسان قد يخسر مالًا في تجارة ويفهم سبب خسارته، لكنه حين يخسر بسبب جهلٍ مُغلَّف بالعلم، لا يخسر المال فقط، بل يخسر قدرته على التمييز. وفي عالم المال تحديدًا، لا يُسرق الناس بالقوة، بل بالمصطلح، ولا يُستغلون بالعنف، بل بإيهامهم أنهم يفهمون ما لا يفهمونه. من هنا تبدأ كثير من عمليات الاحتيال المالي الكبرى، لا من طمع الناس، بل من جهلهم بالمصطلحات المالية وتعقيدها، فالمشكلة لم تكن يومًا في المفهوم نفسه، بل في الفجوة بين معناه الحقيقي وفهم العامة له. فـ المراجحة، على سبيل المثال، مفهوم مالي قانوني ومشروع، يقوم على الاستفادة من فروقات السعر لنفس الأصل في أسواق مختلفة، لكنه يتحول إلى أداة خداع عندما يُقدَّم داخل منتج لا يفهمه الناس. من هنا ظهر تشارلز بونزي، الذي أوهم وأقنع الناس بأنه يُمارس المراجحة في أسعار قسائم وطوابع بريدية دولية، مستغلًا اختلاف التسعير بين الدول. ظاهريًا كانت مراجحة، وفعليًا لم تكن هناك لا قسائم ولا طوابع بالحجم الذي صوّره، بل عملية تدوير لأموال المستثمرين فيما بينهم، تُدفع فيه أرباح الأوائل من أموال الداخلين الجدد، خلف عباءة جهل الناس بالمراجحة وبآلية الطوابع البريدية. من هذا الأسلوب وُلد أشهر نموذج احتيال مالي في التاريخ، وأصبح اسمه مرادفًا له حتى اليوم فيما يُعرف بـ سلسلة بونزي.
ومنذ تلك اللحظة، لم يتغير جوهر الاحتيال، بل تغيّرت لغته فقط؛ فكل عصر يخلق مصطلحاته، ويخلق بونزيه الخاص. مثلاً التحوّط، الذي صُمم أساسًا لتقليل المخاطر، استُغل لاحقًا لإخفائها وتجميل العوائد، فصار غطاءً لأكبر عمليات الخداع المالي، كما حدث مع برنارد مادووف الذي ادّعى استراتيجيات تحوّط معقّدة، بينما كان يدير تدويرًا كلاسيكيًا للأموال، أي بونزي محدث هذه المرة مع التحوط وليس المراجحة وما كان لأي أحد أن يسبقه عليه وانتهى به الأمر إلى السجن مدى الحياة والموت خلف القضبان. والمشتقات المالية، التي وُجدت لإدارة المخاطر، تحولت في أيدي غير أمينة إلى رافعة مالية مدمّرة تُضخّم الخسائر وتؤجل ظهورها، ثم جاءت المنتجات المالية المركّبة مثل سندات الدين المضمونة بالأصول وسندات الرهن العقاري المجمّعة، فخلقت وهم التنويع والحماية، وكانت في حقيقتها مفاتيح للأزمات المالية العالمية. وبعدها توسعت الصناديق الاستثمارية الخاصة والهياكل ذات الغرض الخاص، مستفيدة من ضعف الشفافية والتقييمات الداخلية لتأجيل الاعتراف بالخسائر. واليوم يُعاد إنتاج النموذج ذاته بمسميات أحدث مثل ترميز الأصول، والذكاء الاصطناعي، والتداول الخوارزمي.
إذا كان هذا النوع من الاحتيال يعتمد على الجهل بالمصطلحات المالية، فإن هناك أربعة أساليب احتيال أخرى لا تعتمد على المصطلح أصلًا، بل على الجهل بلعبة الاحتيال نفسها. أولهم الأسلوب الهرمي، وهو قائم على التجنيد لا على المنتج؛ فالمنتج مجرد غطاء، قد يكون مكنسة كهربائية “خارقة” أو طقم قدور طبخ، وأحيانًا يُترك المنتج دون أن تُدفع قيمته أصلًا فقط لإدخالك في السلسلة. من هو فوقك يحصل على عمولته، ومن تحتك يُطلب منك إدخال عشرة غيرك لتحصل انت وهو كذلك على عمولتكم، وهؤلاء الجدد يدفعون عربون المنتج ويتحول عموله لهؤلاء من سبقوهم وهكذا ، و عربون فوق عربون تتكوّن الثروة في قمة الهرم. وأشهر من جسّد هذا الأسلوب بأسلوب حديث وبمنتج مبتكر بدلا من المكانس والقدور كانت روجا إغناتوفا، التي باعت للناس وهم عملة ون كوين، جمعت مليارات ثم اختفت فجأة، ولا تزال مطلوبة دوليًا حتى اليوم.
ثانيهم أسلوب النفخ والتفريغ، وهو سرقة سوقية صريحة؛ شراء أصل رخيص وتجميعه بهدوء، ثم نفخه عبر إشاعات وتوصيات وضجيج إعلامي، فينجرف القطيع ويشتري بكميات كبيرة، حتى تبلغ الفقاعة حدها الأقصى، فيبيع من اشترى بالرخص عند القمة وتنفجر الفقاعة على رؤوس المتأخرين. أشهر من مثّل هذا الأسلوب كان جوردان بيلفورت، الذي انتهى به الأمر في السجن بعد أن نفخ الأسهم وباعها على الناس، ثم عاد لاحقًا لبيع قصته بدل الأسهم.
ثالثهم أسلوب غرفة الضغط، وهو قائم على الضغط النفسي والبيع القسري؛ اتصالات متواصلة، استعجال، إيحاء بأن هذه آخر فرصة وأن الجميع دخلوا إلا أنت، حتى يُدفع الشخص لاتخاذ قرار تحت الخوف من فوات الفرصة. هذا الأسلوب اشتهرت به شركات مختلفه قد تتصل بك الآن وأثناء ما تقرأ هذا المقال، مثل هذه الشركات تنتهي غالبًا بتفكيكها وسجن القائمين عليها بعد انكشاف الحقيقة.
أما رابعهم فهو احتيال الثقة الجماعية، وهو أخطرهم جميعًا، لأنه لا يعتمد على منتج ولا سوق ولا ضغط، بل على الانتماء؛ نفس العائلة أو القبيلة أو الجماعة. هنا يُلغى التحليل ويُستبدل بالولاء، وتُمرَّر القرارات المالية باسم القرب والثقة، لا باسم الأرقام، وكانت أكبر صوره التاريخية أيضًا في شبكة مادوف نفسها داخل دوائر اجتماعية مغلقة.
لا تختلف كل هذه الأساليب في جوهرها، مهما اختلفت أسماؤها أو تغيّرت أدواتها؛ فالمحتال لا يراهن على ذكائه بقدر ما يراهن على جهل غيره، ولا ينجح لأنه عبقري، بل لأن الضحية لم تُطرح عليها الأسئلة الصحيحة في الوقت الصحيح. فحين تُعطَّل الفهم، يُستبدل التحليل بالقصة، ويُستبدل التدفق النقدي بالوعود، ويصبح القرار المالي فعل ثقة لا فعل حساب. ولهذا تبقى القاعدة التي لا تخطئ:
أي استثمار يشرح لك الربح بقصة معقّدة، لكنه يعجز عن شرح كيف تتحول الفكرة إلى تدفق نقدي فعلي، فهو استثمار يستحق أن تُرفع أمامه الراية الحمراء فورًا.
سيف النعيمي
محلل مالي

أضف تعليق