الإرهاق في الاستثمار: حين أنهى الكورتيزول مسيرة أعرق البنوك

9 يناير 2026

في فبراير عام 1995 انهار أحد أعرق البنوك البريطانية خلال أيام قليلة عندما سقط بنك بارينغز الذي امتد تاريخه لأكثر من قرنين بخسارة تجاوزت 1.3 مليار دولار لا بسبب أزمة عالمية بل نتيجة قرارات اتُّخذت خلف شاشات تداول في سنغافورة حيث كان المتداول الشاب نيك ليسون المعروف بذكائه وخبرته في المشتقات المالية يحاول احتواء خسارة تحولت تدريجيًا إلى كارثة ومع تصاعد الضغط وتراكم الإرهاق وتأجيل الاعتراف بالحقيقة خرجت الأمور عن السيطرة وبعد التحقيقات لم تُفسَّر تصرفاته كجهل أو تهور بقدر ما وُصفت كنتيجة لتعب وإرهاق ذهني ونفسي شديد أفقداه القدرة على التوقف واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة لتنتهي القصة بانهيار بنك كامل ويصبح اسمه شاهدًا على أن الإرهاق حين يُترك دون وعي قد يُسقط تاريخًا بأكمله.

عند اتخاذ قرار استثماري سواء بالبيع أو الشراء لا يبدأ العقل بالحسابات والأرقام كما يُعتقد بل يبدأ بردة فعل عصبية سريعة إذ يتقدّم الجزء العاطفي من الدماغ لالتقاط الإشارة الأولى فيفسّر حركة السعر على أنها خطر أو فرصة قبل أن يصل التحليل إلى الواجهة ففي لحظات الهبوط المفاجئ يفعّل العقل آليات الحماية ويُضخ الإحساس بالخوف والرغبة في الهروب بينما في لحظات الصعود السريع يُحفَّز الإحساس بالمكافأة والطمع وكلاهما يحدثان قبل أي تقييم منطقي وعندما تتسارع هذه الإشارات يدخل المستثمر في صراع داخلي بين الرغبة في الحسم والخشية من الخطأ فتظهر حالة التردد أو الاندفاع بحسب قوة الضغط العصبي وفي هذه اللحظة تحديدًا لا يكون القرار نتاج تحليل السوق فقط بل نتيجة تفاعل معقّد بين العاطفة والذاكرة والتجربة السابقة والقدرة الذهنية على السيطرة على ردّة الفعل.

في لحظة اتخاذ القرار يبدأ الجسم بضخ إفرازات كيميائية تتحرك أسرع من التفكير الواعي فعند الهبوط المفاجئ يرتفع إفراز الكورتيزول والأدرينالين فيشعر المستثمر بتسارع ضربات القلب وضيق في الصدر ويقصر أفق التفكير فيتحوّل العقل من التحليل إلى الحماية ويصبح الهدف الخروج بأسرع وقت بينما عند الصعود السريع يُفرز الدوبامين فيمنح شعورًا بالمتعة والثقة الزائدة ويقلّل الإحساس بالمخاطر فيدفع للدخول أو زيادة المراكز دون تقييم كافٍ ومع استمرار الضغط تتشابك هذه الإفرازات فتضعف سيطرة العقل التحليلي ويصبح القرار استجابة جسدية هدفها إيقاف الألم أو مطاردة الشعور بالمكافأة لا قراءة السوق بهدوء.

ولا أحد فينا يرغب في إفراز الكورتيزول لأنه هرمون التوتر والقلق ووجوده المرتفع يعني أن الجسد والعقل في حالة دفاع لا تفكير وحين يتزامن إفرازه مع الأدرينالين والدوبامين تحدث حالة لخبطة في الإشارات العصبية فيرغب المستثمر في الهروب وفي الوقت نفسه يتردد في اتخاذ القرار فتظهر حالة الشلل أو الاندفاع وهذا التردد ليس حذرًا واعيًا بل نتيجة صراع كيميائي داخلي وتكون هذه الحالة أشد وضوحًا عند المقامرين لأن سلوكهم قائم أصلًا على مطاردة الدوبامين والمكافأة السريعة وحين يدخل الكورتيزول على الخط تتشوّه القدرة على التقييم ويتحوّل القرار إلى محاولة إيقاف الألم أو استعادة شعور الربح بأي ثمن.

وفي كل هذه القصة يبقى القلب بريئًا فالقلب لا يقرر ولا يخاف ولا يتردد بل ينفّذ الأوامر العصبية التي تصله وغالبًا ما يكون هو الضحية فعندما ترتفع الإفرازات بشكل حاد يتسارع النبض ويرتفع الضغط وتنقبض الشرايين وإذا كان الجسد مرهقًا أو مثقلًا بالضغط المزمن قد يعجز القلب عن مجاراة هذا التفاعل العنيف ولهذا نسمع كثيرًا أن الخاسرين تصيبهم سكتات قلبية ليس لأن القلب شارك في القرار بل لأنه تحمّل عبء صدمة عاطفية فاقت طاقته.

وهنا تتضح حقيقة جوهرية وهي أن الاستثمار ليس اختبار ذكاء فقط بل أسلوب حياة فالمستثمر الذي يتمتع بصحة جيدة ويمارس الرياضة وينام بانتظام ويتناول طعامًا متوازنًا يوفّر لعقله بيئة مستقرة لاتخاذ القرار فتكون إفرازاته متوازنة وصبره أطول وتحليله أهدأ بينما المستثمر المرهق جسديًا يعيش في تقلب عصبي دائم فيبالغ في الخوف أو يندفع خلف الطمع أما المقامر فيفتقد الانضباط الجسدي والنفسي معًا فيسهر طويلًا ويأكل بعشوائية ويبحث عن الإثارة لا القرار الرشيد ولهذا يخسر ليس لأنه لا يفهم السوق بل لأنه لا يدير جسده قبل أن يدير أمواله.

انتهت قصة نيك ليسون بالمحاكمة والسجن بعد أن تسببت قراراته في خسائر تجاوزت حجم أصول البنك فحُكم عليه بالسجن ست سنوات قضى منها أربع سنوات قبل الإفراج عنه لاحقًا لأسباب صحية وبعد خروجه من السجن ابتعد عن عالم التداول نهائيًا واستقر في أيرلندا حيث عمل لاحقًا في مجالات إدارية وتنظيمية وشارك في أنشطة رياضية وكتب عن تجربته محذرًا من آثار الضغط والإرهاق في عالم المال في مفارقة تختصر القصة كلها أن من أسقط بنكًا بحجم بارينغز لم يكن مجرمًا محترفًا بل إنسانًا أنهكه الإرهاق قبل أن تُنهكه الأسواق.

قبل أن تضغط زر الشراء أو البيع، تأكد أن الجسد الذي يتخذ القرار ما زال متماسكًا.

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق