المال من البخل والتكديس إلى الوعي وبناء القيمة 

19 ديسمبر 2025

يقول الفيلسوف سينيكا مستشار الإمبراطور نيرون الفقير مب اللي يملك القليل الفقير هو اللي يطلب الكثير، تعجبني فلسفة سينيكا لأنها تختصر علاقة الإنسان بالمال بشكل بسيط وعميق في نفس الوقت سينيكا من الفلاسفة القلّة اللي ما كان يشوف المال مجرد أرقام تُجمع بل يشوفه سلوك نفسي وأخلاقي عنده الفقر والغنى مب مسألة حسابات بل حالات ذهنية تتشكل حسب قدرة الإنسان على ضبط رغباته مب حسب حجم ما يملكه ومن هنا نقدر نفهم ليش موضوع الادخار أعقد مما نتصور.

منذ الصغر تعلّمنا في الكتب الدراسية الفرق بين الحاجة والرغبة بين ما هو ضروري وأساسي وما هو تكميلي فالسيارة مثلًا قد تكون حاجة حقيقية للتنقل الآمن للوصول إلى العمل بدون تأخير أو إلى المستشفى وقت الضرورة إضافة إلى الخصوصية اللي ما توفرها كثير من وسائل النقل وفي نفس الوقت قد تتحول السيارة إلى رغبة كمالية مرتبطة بالمكانة الاجتماعية أو الشكل أو القوة أو السرعة ومع تطور الأسواق ظهرت السيارات الكهربائية كنموذج يجمع بين الضرورة والكمالية معًا فهي اقتصادية في التشغيل فاخرة في الشكل قليلة الصيانة ومع ذلك نادرًا ما نسمع أحد يقول إن سبب شرائه هو المحافظة على البيئة بقدر ما يكون مزيجًا من المنفعة والرغبة.

والواقع أن الاحتياجات والرغبات كلاهما جزء من طبيعة الإنسان عندنا رغبات نحتاجها واحتياجات نرغب فيها ولهذا ما نقدر ننظر للموضوع بنظرة أبيض أو أسود وهنا يظهر الادخار كأحد أكثر السلوكيات اللي تكشف هذا التداخل كثير من الناس يواجهون صعوبة في ادخار حتى مبلغ بسيط وغالبًا ما تفشل محاولاتهم مب بسبب ضعف الدخل بل بسبب غياب التوازن بين الضروريات والكماليات أو بسبب غياب السلوك الصحيح تجاه المال.

هناك سؤال مهم هل الادخار ضرورة أم كمالية وماذا لو كان الإنسان ثريًا أو من عائلة ميسورة أو مؤمَّنًا من الدولة أو لديه وظيفة تضمن له معاشًا تقاعديًا الإجابة هنا لا ترتبط بحجم الأمان المالي بقدر ما ترتبط بطريقة النظر إلى الادخار نفسه فإذا عومل الادخار كحاجة كانت مخرجاته غالبًا مدخرات حقيقية وملموسة أما إذا كان مجرد فكرة شكلية أو خيارًا مؤجلًا فعادة ما يفشل.

الفرق يبان بوضوح لما نقارن شخص يدخر لهدف واضح مثل شراء أصل أو تحقيق رغبة محددة بشخص يدخر بدون هدف في الحالتين قد يتجمع المال لكن الادخار المرتبط بهدف يكون أسرع وأكثر استقرارًا وتكون له قيمة أكبر عند صاحبه هذا السلوك ينعكس حتى على شخصية الفرد فغالبًا ما يتطبع من يجمع المال لتحقيق أهداف بسمات ريادة الأعمال وتتكوّن لديه مهارات إدارة وتوظيف الأموال بينما يميل من يجمع المال بلا هدف إلى البخل والحرص الزائد وهو ما ينعكس على سلوكه ومظهره.

هِتّي غرين، الملقبة بساحرة وول ستريت، والتي كانت في زمانها أغنى امرأة في أمريكا رغم ثروتها الهائلة ما كانت تبدّل فستانها لسنوات ليس زهدًا ولا قناعة بل لأن المال عندها لم يكن وسيلة حياة ولا أداة راحة مشكلتها لم تكن بسبب غياب هدف التوفير بل في غياب النية من الاساس فلا إنفاق لهدف ولا ادخار لغاية بل جمع لمجرد الجمع.

كثير من الناس يبحثون عن طريقة أو سر للادخار مع أن الموضوع أبسط من ذلك ما فيه طريقة واحدة صحيحة ولا أسرار خفية في ناس تدخر في البيت وناس عن طريق البنك وناس عن طريق الجمعيات وكلها طرق صحيحة حتى نسبة الادخار ما هي المشكلة سواء ادخرت واحد بالمئة أو خمسين بالمئة النتيجة في النهاية مدخرات المهم تحدد الفائض الحقيقي من دخلك بعد احتساب احتياجاتك ورغباتك بواقعية بدون إسراف في الأولى ولا تبذير في الثانية.

الخلط بين الادخار والاستثمار من أكثر الأخطاء الشائعة الادخار ما يحتاج مهارة علمية معقدة يحتاج وعي ونية وانضباط أما الاستثمار فيحتاج معرفة ومهارة وفهم للمخاطر قبل العوائد الادخار يحافظ على المال لكن الاستثمار هو اللي يشغّله والثروة ما تُبنى بالخوف على المال ولا بحبسه فالدرهم المحبوس ما يولد فلوس والمال بطبيعته مع الوقت تنخفض قيمته بسبب التضخم ولهذا يتوجب عليك تبحث عن الأدوات اللي تخلي مالك ينمو أو على الأقل يحافظ على قيمته مع تقادم الوقت.

وفي النهاية الادخار مب حرمان بل وعي هو وسيلة لتحقيق الأهداف مب غاية بحد ذاته اقتنِ حاجاتك وحقق رغباتك وتجنب الإسراف والتبذير ولا تغامر بدخلك أو مدخراتك في شيء ما تفهمه ومع التعلم المستمر وتوسيع المعرفة يتحول الادخار من عبء ثقيل إلى سلوك طبيعي ومتوازن.

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق