
28 نوفمبر 2025
“العالم سيحتاج قدرة حوسبة تفوق ما يمكن أن نتخيّله” بهذه الكلمات لخّص جنسن هوانغ، مؤسس نيفيديا، طبيعة التحول الذي يعيشه العالم اليوم. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مفهوم تقني، بل أصبح القوة الدافعة خلف أكبر تغيير اقتصادي منذ ظهور الإنترنت.
كثيراً ما يتردد على مسامعنا مصطلح الذكاء الاصطناعي، وقد أصبح اليوم حديث الساعة. تتسابق الشركات في مختلف المجالات لبناء تقنيات تخدم هذا التحول، بدءاً من تصنيع رقاقات الذكاء الاصطناعي وخوادم التخزين وخوارزميات المعالجة، وصولاً إلى المنتجات النهائية التي اندمجت تدريجياً في حياتنا اليومية، حتى أصبح اعتمادنا على النماذج الذكية جزءاً من السلوك الطبيعي للإنسان المعاصر.
بدأ الانفجار الثوري الحقيقي في نوفمبر 2022 مع إطلاق ChatGPT من OpenAI، ومن تلك اللحظة تغيّر مسار التقنية بالكامل. انفجرت أسهم شركات الرقائق وعلى رأسها NVIDIA، ودخلت الشركات الكبرى سباق الذكاء الاصطناعي، وبدأت الدول تتنافس في بناء نماذجها ومنصاتها. تحوّل الذكاء الاصطناعي من فكرة أكاديمية طُرحت في مؤتمر دارتموث عام 1956 إلى صناعة ترليونية تعيد تشكيل نماذج الأعمال، وتستقطب استثمارات البنوك، وتصبح ضرورة في قطاعات الصحة والقانون والصناعة والتسوق.
وكانت نيفيديا المثال الأوضح على هذا التحول. ففي 15 نوفمبر 2022 كان سعر السهم نحو 16.72 دولار، وفي نوفمبر 2025 تجاوز 177.82 دولار، أي عشرة أضعاف خلال ثلاث سنوات فقط. وبمنظور بسيط من يملك عشرة آلاف سهم بكلفة 169 ألف دولار، أصبحت قيمتها اليوم قرابة 1.79 مليون دولار. ولم تكن نيفيديا وحدها فقد تضاعف سهم مايكروسوفت من 240 دولاراً إلى نحو 476 دولاراً، وقفز سهم ألفابت (جوجل) 3.6 مرات من 88 دولاراً إلى 318 دولاراً. هذه القفزات لم تكن مصادفة، بل نتيجة تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ثورة تشبه ظهور الكهرباء والإنترنت.
ورغم الاعتقاد بأن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مقتصر على المؤسسات الكبرى، فإن المجال مفتوح للأفراد أيضاً. يستطيع المستثمر غير المتخصص شراء أسهم شركات الذكاء الاصطناعي كأدوات تقليدية، أو الدخول عبر أدوات بديلة مثل المشتقات المالية، أو صناديق تموّل مراكز البيانات، أو الاستثمار في مشاريع الطاقة المخصصة لها. وكلما ازداد اعتماد العالم على هذه التقنية، ازداد حجم السوق والعوائد المرتبطة بها.
ومع هذا النمو الهائل، يظل الاستثمار في أسهم الذكاء الاصطناعي ضمن فئة الاستثمارات عالية المخاطر، فمعامل بيتا لهذه الشركات يتراوح بين 1.4 و2.2، ما يعني أن تقلباتها أعلى من تقلبات السوق. فإذا صعد المؤشر صعدت مضاعفة، وإذا هبط هبطت بحدة أكبر. ويعود ذلك إلى مزيج من الثقة والمضاربة وعدم وضوح المستقبل، في مشهد يذكّر ببدايات الإنترنت، مع اختلاف جوهري اليوم تتبلور في القمة مجموعة محدودة من الشركات القيادية التي تمسك بمفاتيح الرقائق والنماذج والمنصات، بينما تمتد حولها منظومة واسعة من الشركات المساندة في الطاقة والبنية التحتية والبرمجيات والخدمات، وأصبحت المنتجات نفسها جزءاً فعلياً من الحياة اليومية لا مجرد وعود نظرية.
ومع ذلك، لم يفُت الأوان على من لم يلحق بارتفاع نيفيديا. فهذه الشركة لم تكن سوى أول صرخة في فضاء يتغيّر كله. فالذكاء الاصطناعي لا يعيش في شركة واحدة ولا ينمو داخل مصنع واحد، بل في شبكة واسعة من الكيانات التي تتحرك معاً كمشهد اقتصادي واحد. هذه الصناعة تشبه نهراً عميقاً يبدأ من باطن الأرض وينتهي عند أبراج مراكز البيانات. بين المنبع والمصب تعمل شركات المعادن التي تستخرج المواد النادرة، والمصانع التي تصهر السيليكون، ومحطات الكهرباء التي تغذي آلاف الخوادم، وأنظمة التبريد العملاقة، وشركات الألياف الضوئية، والبنوك التي تموّل توسع هذه البنية، وشركات البرمجيات التي تدرب النماذج، وشركات الأمن التي تحمي كل ذلك من الاختراق.
هذه المنظومة كلها تتحرك في اتجاه واحد، وتدفع كل طبقة فيها الطبقة الأخرى. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في اللحاق بسهم ارتفع، بل في قراءة السلسلة الاقتصادية الكاملة التي تدفع هذا الارتفاع. كل حلقة في هذه السلسلة تحمل فرصة طويلة الأجل لأنها جزء من اقتصاد جديد يُعاد بناؤه.
وتزداد الفرص وضوحاً في عالم الشركات الناشئة ايظاً. فهناك عشرات الفرق الصغيرة التي تطور أدوات، ونماذج، ومعالجات، ومنصات أمنية، وتطبيقات متخصصة. قيمتها اليوم قد تبدو بسيطة، لكنها تتحرك بوضوح نحو استحواذ محتمل من عمالقة الذكاء الاصطناعي. وعندما يحدث الاستحواذ، تتغير قيمة الشركة الصغيرة فوراً لأن دخولها تحت مظلة كيان أكبر يكشف إمكاناتها ويمنحها آفاقاً لم تكن متاحة لها مسبقاً.
وهكذا يبقى الذكاء الاصطناعي فرصة مفتوحة، ليست في قمة وقيمة سهم واحد، بل في جذور تمتد تحت الصناعات جميعها. ومن ينظر إلى هذه الجذور بعين المستثمر الذي يفهم الترابط سيكتشف أنه لا يقف أمام نهاية الطريق، بل أمام بدايته الحقيقية.
سيف النعيمي
محلل مالي

أضف تعليق