
21 نوفمبر 2025
يبدو الاستثمار في الأراضي سهلاً من بعيد، قطعة تراب تنتظر أن ترتفع قيمتها ومطور يقرر البناء عندما يشاء. لكن الحقيقة مختلفة تماماً. فالأرض ليست مجرد أصل خام بل هي اختبار لقدرة المطور على قراءة المستقبل وامتحان يحدد من هو المطور المحترف ومن هو الذي يتحرك بدافع الحماس. بعض الأراضي تصنع ثروات ضخمة وأخرى تتحول إلى عبء يستنزف الشركات لسنوات. والسؤال الذي لا يظهر للعلن عادة هو كيف يعرف المطور المحترف اللحظة الصحيحة التي تتحول فيها الأرض الصامتة إلى مشروع يدر أرباحاً. هنا تبدأ القصة الحقيقية لعالم تطوير الأراضي.
يعتبر الاستثمار في الأراضي مختلفاً عن أشكال الاستثمارات العقارية التقليدية التي يفضلها المستثمرون المؤسسون مثل العقارات التجارية المؤجرة التي توفر تدفقات نقدية سنوية بالإضافة إلى ارتفاع قيمتها. أما الأراضي فغالباً ما تكون أكثر خطورة وأكثر مضاربة مقارنة ببقية أنواع الاستثمارات العقارية وذلك بسبب عدم وجود أي دخل منها طوال فترة الاحتفاظ بها وعدم اليقين المرتبط بمستقبل تطويرها. ومع ذلك فإن الأراضي الخام لا تتدهور قيمتها بمرور الوقت مثل العقارات المبنية التي تتطلب صيانة مستمرة للحفاظ على قيمتها مما يجعل جانب الخسارة فيها أقل نسبياً.
يمتلك معظم المطورين العقاريين مخزوناً من الأراضي الجاهزة للتطوير ويسعى المطور دائماً لملء محفظته العقارية بأقل التكاليف عبر الشراء أو الاستحواذ على حقوق التملك أو الحصول على أحقية التطوير وذلك لاستثمارها مستقبلاً عند أول فرصة تسمح بتحقيق أرباح مضمونة و عوائد مجزية. ويبقى السؤال المهم متى يقوم المطور فعلياً باتخاذ قرار تطوير مجمع سكني أو ناطحة سحاب أو مدينة متكاملة من مخزون الأراضي الذي بحوزته وما العوامل التي يعتمد عليها لاتخاذ مثل هذا القرار المحفوف بالمخاطر المنتظمة وغير المنتظمة هذا السؤال نجيب عليه اليوم لإعطاء صورة شاملة ودقيقة حول ما يحدث داخل وحدات الاستثمار لدى المطورين المحترفين.
عملية اتخاذ قرار التطوير ليست مجرد قرار هندسي أو معماري فالتطوير وإن كان يحمل جانباً هندسياً يقارب 30% إلا أن 70% منه هو جانب مالي واستثماري يهدف إلى تحويل ما نسميه أرضاً خالية إلى أرض مطورة أي تحويل ألا شي إلى مليارات الدراهم . ومن أهم العوامل التي يعتمد عليها المطورون في اتخاذ القرار ما يعرف بهامش التطوير أو فجوة التطوير أو الربح على التكلفة. هذه الفجوة تحدد بناء على العلاقة بين أسعار العقارات الجاهزة فعلياً وبين تكلفة البناء الحالية فالفرق بينهما يمثل الربح المتوقع تحقيقه بعد التطوير. وكلما ارتفعت أسعار العقارات الجاهزة زادت رغبة المطورين في استخدام مخزون الأراضي بهدف بيع وحدات جديدة عند مستويات سعرية أعلى ومع زيادة الطلب على المقاولين ومواد البناء ترتفع التكلفة فتكون العلاقة بين أسعار البيع وتكاليف البناء علاقة طردية أي يرتفعان معاً ولكن بشكل نسبي يؤثر مباشرة على الفجوة التي تحدد قرار البدء أو التريث.
المطور المحترف لا يعتمد فقط على قياس هذه الفجوة بل يدرك أن قرار المساس بمخزون الأراضي يتطلب الوصول إلى فجوة مُثلى تضمن جدوى التطوير. ووفقاً للعرف السائد في الأسواق العقارية في أمريكا وأوروبا وآسيا وكما تشير إليه كبرى الجهات البحثية مثل معهد الأراضي الحضرية في واشنطن والمؤسسة الملكية للمساحين المعتمدين في لندن وشركات الاستشارات العالمية مثل برايس ووترهاوس كوبرز وديلويت فإن الفجوة المثالية التي تبرر بدء التطوير هي تلك التي تحقق ربحاً على التكلفة لا يقل عن 20% إلى 30%. ويعود سبب اشتراط هامش لا يقل عن عشرين بالمئة إلى أن المطور لا يملك السيطرة على عوامل عديدة قد تتغير خلال فترة التطوير مثل تراجع أسعار العقارات الجاهزة نتيجة تغيرات في العرض والطلب أو ارتفاع مفاجئ في تكاليف البناء أو حدوث شح في مواد البناء بسبب قرارات تنظيمية أو رسوم جمركية أو تأثيرات متعلقة بارتفاع معدلات الفائدة. هذه المتغيرات قد تجعل المشروع غير مجد إذا كانت الفجوة أقل من عشرين بالمئة وبالتالي تشكل هذه النسبة منطقة أمان تغطي مخاطر التذبذب في العوامل المؤثرة في التكلفة والعائد.
وبجانب فجوة التطوير هناك مؤشرات أخرى يعتمد عليها المطورون المحترفون مثل معدل العائد الداخلي الذي يعد المؤشر الأهم خصوصاً عند اعتماد المشروع على التمويل ومؤشر الحساسية الذي يوضح أثر تغير سعر البيع أو التأخر في التسليم أو ارتفاع التكلفة على هامش الربح بالإضافة إلى مؤشر نقطة التعادل الذي يحدد عدد الوحدات المطلوب بيعها لتغطية تكاليف المشروع. وهنا يظهر مؤشر سرعة الامتصاص الذي يعد من أهم المؤشرات في الإمارات تحديداً لأن السوق قائم على البيع على المخطط ولأن دورة السوق سريعة التنافس إلى درجة تجعل أي تباطؤ في المبيعات يضع المطور تحت ضغط كبير. فإذا كان الامتصاص ضعيفاً بينما يبيع المنافسون بسرعة أعلى يجد المطور نفسه مجبراً على تخفيض الأسعار وتقديم عروض تلتهم الفجوة التي بنى عليها المشروع. كما أن البنوك في الإمارات تُراقب مؤشر الامتصاص قبل التمويل فإذا رأت ضعفاً في سرعة المبيعات ترفع شروط التمويل أو تخفض القدرة الائتمانية للمشروع حتى لو كانت فجوة التطوير ممتازة. ولهذا يصبح مؤشر الامتصاص هو الاختبار الحقيقي لسلامة قرار التطوير فإذا دعمت السوق القرار وامتصت الوحدات بوتيرة جيدة تحولت فجوة التطوير من معادلة نظرية إلى واقع تجاري يؤكد أن المطور اختار اللحظة المناسبة لاستهلاك مخزون الأرض أما إذا كانت الفجوة قوية والامتصاص ضعيف فإن المشروع ينهار مهما بدت الأرقام الأولية مثالية.
وتبرز أهمية قراءة فجوة التطوير واتخاذ القرار في الوقت الصحيح من خلال ما حدث مع المطور الأمريكي الشهير سام زيل في الولايات المتحدة ومع شركة نخيل في دبي. ففي الثمانينات وبينما كان السوق الأمريكي يعيش تقلبات حادة امتلك سام زيل مساحات ضخمة من الأراضي لكنه رفض الدخول في أي تطوير جديد لأن فجوة التطوير في تلك الفترة لم تكن مناسبة. كان يرى أن المخاطرة في تلك اللحظة أعلى من العائد فاحتفظ بالأراضي دون أن يضع حجر أساس واحد. وبعد سنوات عاد السوق للارتفاع وبدأ سام زيل التطوير عندما أصبحت الأرقام في صالحه ليحقق واحدة من أعلى العوائد في تاريخ التطوير العقاري وهو ما لخّصه بقوله إن المال الحقيقي في العقار لا يأتي من البناء بل من اختيار وقت البناء.
وتنعكس نفس الفكرة لكن بظروف مختلفة في تجربة شركة نخيل بعد أزمة 2008 حيث تراجعت الأسعار بشكل مفاجئ وارتفعت تكاليف الإنشاء وتباطأ الامتصاص مما جعل فجوة التطوير في عدد من المشاريع تتحول إلى فجوة سلبية. كان البناء في تلك اللحظة مخاطرة غير مبررة ولذلك علقت الشركة عدداً من مشاريعها وأعادت جدولة أخرى ليس لغياب الرؤية بل لأن التوقيت لم يكن مناسباً. وبعد أن استعادت السوق توازنها وعاد الطلب للارتفاع عادت الشركة للتطوير تدريجياً وبوتيرة مدروسة مستندة إلى فجوة تطوير واقعية حافظت على ربحية المشاريع واستدامتها.
وهذه التجارب تذكر بأن التطوير العقاري ليس سباقاً لبناء أسرع أو أكبر بل هو سباق لاتخاذ القرار الصحيح في اللحظة التي تكون فيها الأرقام في صف المطور وأن الأرض لا تكافئ من يستعجل استهلاكها بل تكافئ من يقرأ توقيتها ويفهم ديناميكيات السوق ويختار اللحظة التي يكون فيها العائد أكبر من المخاطرة والمشروع قادراً على الوقوف بثبات من الإطلاق وحتى التسليم.
سيف النعيمي
محلل مالي

أضف تعليق