ضع مالك في قلاعٍ مُحصّنة بخنادق مائية

14 نوفمبر 2025

كان الخطاب الشهير لوارن بافت عام 1995 أمام مساهمي شركة بيركشاير هاثاواي نقطة تحول في عالم الاستثمار حين قال:

“سرّ الاستثمار الناجح هو تحديد الميزة التنافسية لكل شركة، والأهم من ذلك مدى استدامة تلك الميزة، فالمنتجات أو الخدمات التي تمتلك خنادق حماية واسعة ومستدامة هي التي تمنح المستثمرين العوائد المجزية.”

ومنذ ذلك الحين، أصبح مفهوم خندق الحماية التنافسية (Moat) أحد أهم المفاهيم التي يرتكز عليها المستثمر الذكي في قراراته، لأنها ببساطة ما يضمن بقاء الشركة واستمرار تدفقاتها المالية رغم تغيّر الظروف وتزايد المنافسة.

خندق الحماية التنافسي هو أول ما ينبغي على المستثمر إدراكه قبل الدخول في التحليل الأساسي أو الفني. فقبل أن تسأل عن الأرقام والرسوم البيانية، عليك أن تسأل نفسك: ما الدافع الذي يجعلني أستثمر في هذا الأصل أو الصندوق أو الشركة؟ وينبغي أن تكون الإجابة: لأن لدى هذه الشركة خندق حماية يحميها من المنافسين، أي ميزة مستدامة تضمن بقاءها واستمرار تدفقاتها المالية.

الشركات الرائدة والمحترمة في أي سوق تمتلك ميزة لا تتوافر لدى منافسيها، قد تكون سعراً تنافسياً، أو سمعة راسخة، أو انتشاراً واسعاً. هذه الميزة هي ما يمنحها القدرة على الهيمنة على حصتها السوقية، بفضل ثقة العملاء وولائهم وتعودهم على منتجاتها أو خدماتها، لتشكل بذلك خندق حماية يصعب اختراقه من المنافسين.

على سبيل المثال، تمتلك شركة أبل خندق حماية فريداً يتمثل في نظامها المترابط الذي يجمع جميع منتجاتها عبر خدمة iCloud من الآيفون إلى الآيباد، ومن ساعة أبل إلى نظارة أبل فيجن. هذا الترابط يتيح للمستخدم تنفيذ عمليات الدفع عبر Apple Pay من أي جهاز، أو استكمال مشاهدة فيلم على نتفلكس بدأه في الآيفون من خلال جهاز ماك بوك، أو متابعة عرض بوربوينت بدأه على اللابتوب وأكمله على الهاتف، في تجربة سلسة ومتكاملة يصعب الخروج منها.

هذه المنظومة المحكمة تجعل المستخدم أسيراً لراحة التجربة وبعيداً عن فكرة الانتقال إلى نظام تشغيل آخر مثل أندرويد، الذي رغم تشابهه في بعض الخصائص، إلا أنه يفتقر إلى هذا التكامل الكامل بسبب اختلاف الشركات المصنّعة لأجهزته. وكأن أبل تُعيد إحياء شعار برنجلز الشهير: “لم تفك ما حتصك”  فمن يدخل عالمها، لن يستطيع التوقف عن استخدامه أو مغادرته بسهولة. وهذه الميزة بالضبط هي ما يُجسّد الخندق المائي الحقيقي الذي يحمي قلعة أبل من المنافسين، ويضمن استمرار تدفق أرباحها مهما اشتدت المنافسة.

المستثمر الذكي يستثمر في الأصول التي تقوم على المنافسة الحقيقية واستدامة التدفقات المالية. فعندما تقرر الاستثمار في شركة، فأنت تطبّق المثل القائل: “عط الخبّاز خبزه لو ياكل نصّه” أي أنك توكل المهمة لأهل الاختصاص وتستفيد من مهارتهم. لذلك من الضروري أن تدرك جيداً أين تضع أموالك، لأن المؤشرات والتحليلات ليست سوى أدوات تعتمد على بيانات تاريخية تُستخدم لهدفين: إمّا لتأكيد أنك على الطريق الصحيح نحو تحقيق هدفك، أو لتقديم تنبؤات قصيرة المدى حول الاتجاهات المستقبلية المحتملة. فهي لا تمنحك نظرة تمتد لسنوات طويلة، لأنها بطبيعتها تعكس المدى البسيط فقط، ولا تستطيع التقاط التغيرات الجذرية التي قد تحدث على المدى البعيد. فلو كانت التحليلات قادرة على قراءة المستقبل، لرأينا جميع المستثمرين دخلوا في البيتكوين وأصبحوا مليارديرية، لكن الواقع أن الذين اغتنوا هم أولئك الذين آمنوا بفكرتها ورأوا فيها خندق حماية لمستقبل العملات الرقمية، بينما لم يرها معظم الناس في ذلك الوقت. وبالمقابل، لو كانت التنبوءات تُظهر بوضوح مصير الشركات على المدى الطويل، لكان الجميع تخارج من أسهم كوداك ونوكيا قبل سقوطها، لكن من خرج بربح حقيقي هم أولئك الذين نقلوا استثماراتهم نحو شركات جديدة بنت خنادق حماية متينة في الوقت الذي كانت فيه خنادق كوداك ونوكيا تنهار وتنكشف هشاشتها.

هذا المنطق ينطبق على جميع أنواع الاستثمار. فعلى سبيل المثال، إذا وقفت في وسط داون تاون برج خليفة في دبي ونظرت من حولك، فلن ترى سوى أبراج شامخة تعلوها العلامة التجارية الشهيرة لشركة إعمار.

هذه العلامة ليست مجرد شعار تجاري، بل هي خندق حماية تنافسي بحد ذاتها، يدرك المستثمر من خلالها أن لدى الشركة ما يميزها في خلق تدفقات مالية مستدامة لا تنقطع مهما اشتدت المنافسة. ولهذا السبب، يميل المستثمر لتفضيل وضع أمواله في شركة إعمار دون غيرها. وأنا هنا أتحدث بهدف توضيح الدوافع المنطقية التي تجعل المستثمر يختار محفظة استثمارية معينة دون أخرى، بناءً على قوة خندقها التنافسي وقدرتها على الصمود والاستمرار.

في تجربة شخصية تعلمت منها الكثير حول خندق الحماية التنافسية رغم أن مجرد تذكّرها يزعجني، لأن خسارتي فيها بلغت نصف مليون درهم. فقد استثمرت حينها برأس مال في مشروع ترفيهي، وكنت أنظر إليه بعين المستهلك المتحمّس لا بعين المستثمر الواعي. في ذلك الوقت، كأن الناس ما عندهم شغل إلا الترفيه، فتوهمت أن المشروع سيزدهر بلا توقف. اعتمدت على التحليل الكمي في دراسة الفرصة، ولم يخطر ببالي أن التدفقات موسمية بطبيعتها.

فوقعت في أخطاء يمكن اعتبارها هي أيضاً “كمّية”، منها أن المالك عمّر المشروع من أموال المساهمين، ودخل هو فيه كدائن لا كمساهم، ما منحه أولوية في الحقوق بينما كنّا نحن نحمل الأسهم فقط. كان استثماراً بلا خندق… بل قلعة بلا حصن. كل شيء كان مكتوباً بوضوح في نشرة الاكتتاب، لكن الحماس غطّى البصيرة. ومن تلك التجربة، تعلمت درساً لم أتعلمه في أي كتاب دراسي.

في النهاية، تبقى الفرص الاستثمارية كثيرة، ومديرو المحافظ أكثر، لكن القلّة القليلة فقط أمثال وارن بافت من يملكون الرؤية الواقعية التي تسبق التنبؤات الكمية، ويستطيعون من خلالها تعظيم أرباح المستثمرين بثبات وذكاء. وكما قال بافت: “الاستثمار الحقيقي هو ذلك الذي أضع فيه رأس مالي ويحقق لي أرباحاً وأنا نائم.”

فالمستثمر الناجح لا يبحث عن صفقة عابرة، بل عن شركة تملك خندق حماية يحرس تدفقاتها المالية حتى وهو نائم مطمئنّ البال.

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق