التداولات العقارية بين الصمود والانهيار: من يفقد توازنه أولاً؟

7 نوفمبر 2025

في فترات النمو والانتعاش، يتحول السوق العقاري إلى مشهد مزدحم بالحركة والوعود. الجميع يبيع والجميع يشتري، والمشاريع تُطرح بسرعة، والإعلانات تملأ الشوارع وكأن الفرص لا تنتهي. لكن ما إن يتغيّر المزاج الاقتصادي وتلوح ملامح الأزمة، حتى يتبدّل المشهد بالكامل. تتراجع الإعلانات، وتختفي المكالمات، ويعمّ الصمت الأسواق، فلا أحد يرغب بالبيع ولا أحد مستعد للشراء. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا يحدث داخل السوق؟ وما الذي يحدث للتداولات العقارية عندما تتوقف عجلة النمو وتبدأ مرحلة التصحيح؟

الأزمات العقارية تحدث في الغالب بسبب التوسع المفرط في الإقراض والمضاربات العقارية مع ضعف الرقابة، ورغم أن هناك العديد من العوامل التي قد تجرّ القطاع العقاري إلى أزمة، إلا أن هذه المسببات تُعد الأخطر، ويتوجب أن تكون دائمًا تحت رقابة الجهات التنظيمية.

عند حدوث الأزمة، يكون التأثير المباشر على التصرفات العقارية، لأن التصرف في جوهره يُعتبر ردة فعل للأزمة ونتيجة لوقوعها. وتتم التداولات العقارية من خلال نوعين من الأسواق المتخصصة.

النوع الأول هو الأسواق التي تتداول الأصل والقيمة معًا، وهي أسواق مثل الهيئات والمؤسسات ومراكز التسجيل العقاري، وغالبًا ما يتم تشغيلها من قبل الجهات الحكومية. تختص هذه الأسواق بنقل القيمة مع الأصل بشكل فعلي وتعتمد على نظام تقييم حقيقي يأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل المتعلقة بالأصل نفسه. ومن أمثلتها تداول العقارات الجاهزة والبيع على المخطط والتأجير والتأجير الذي ينتهي بالتملك والرهونات العقارية والتبادلات العقارية. في مثل هذه الأسواق، العامل الزمني ليس له أثر أثناء التداول لأن الصفقات لا تُنفذ بشكل لحظي بل بعد التحقق من الملكية والقيمة الحقيقية.

أما النوع الثاني فهو الأسواق التي تتداول القيمة فقط، إذ يتم تداول القيمة التي تستند إلى الأصل دون تداول الأصل نفسه، وتنظمها أسواق المال والبورصات المستقلة ذاتيًا. تعتمد هذه الأسواق على آلية تداول قائمة على أسعار الافتتاح والإغلاق، ويعتمد تقييمها على العرض والطلب المبني على تدفقات الأصول الحقيقية. ومن أمثلتها حقوق الاستثمار الجماعي في صناديق REITs والتصكيك العقاري وتداول الأصول العقارية المشتقة وتداول الرموز العقارية. في هذه الأسواق يكون عامل الوقت بالغ الأهمية، لأنها تعتمد على التداول اللحظي وتتأثر مباشرة بالسيولة وأسعار الفائدة، ولهذا السبب تستخدم بعض البورصات العالمية ما يُعرف بالساعات الذرّية (Atomic Clocks) لضبط الزمن بدقة متناهية أثناء التداول لضمان العدالة بين المتداولين في تنفيذ الأوامر وتتبع الترتيب الزمني للصفقات بدقة، خصوصًا في التداول عالي السرعة.

الأزمات العقارية أو الاقتصادية ذات العلاقة تؤثر في حقيقة الأمر على أداء هذين النوعين من الأسواق، غير أن درجة التأثير لا تكون متساوية بين جميع أنواع التداولات العقارية، إذ تتفاوت بحسب طبيعة الأصل وعمق ارتباطه بالسيولة والثقة في السوق. وفيما يلي ترتيب هذه التداولات من الأكثر حساسية وتأثرًا إلى الأقل تأثرًا.

أولاً: تداول عقود البيع على المخطط او الخارطة كما يسميها البعض وتداول الرموز العقارية وتداول الأصول العقارية المشتقة.

تُعد هذه الأنواع الأكثر حساسية بسبب غياب الأصل الفعلي، فليس هناك أصل جاهز يُمسك أو يُستخدم، وعد أو رمز أو مشتق يمثل الأصل. قيمتها مبنية على توقعات مستقبلية مثل تسليم مشروع أو استمرار منصة أو اتجاه سعر، لذلك فهي تعتمد كليًا على الثقة. عند تراجع السيولة أو الثقة في السوق، ينهار الطلب فورًا لأن الجميع يحاول البيع. كما أنها غالبًا تستخدم تمويلًا أو رافعة مالية، ما يؤدي إلى تضاعف الخسائر عند أول هبوط. وتواجه الجهات التنظيمية صعوبة في السيطرة عليها بسرعة لأنها تراقب النظام المالي أكثر من الأصل الحقيقي.

ثانيًا: تداولات التصكيك العقاري والرهونات العقارية والتمويل بالملكية الجزئية والاستثمار الجماعي العقاري REITs.

تتأثر هذه الأنواع بشكل متوسط أثناء الأزمات العقارية لأنها تعتمد على التدفقات النقدية المنتظمة مثل الأقساط أو التوزيعات أو الإيجارات. يظهر الخطر عندما تتعطل الدورة النقدية بسبب ارتفاع الفائدة أو التعثر في السداد. كما أن تأثرها مرتبط بسعر الفائدة، فزيادة الفائدة ترفع كلفة التمويل وتقلل العائد، ما يضعف الطلب. ومستوى المخاطرة فيها موزع بين أطراف متعددة مثل البنوك والمستثمرين والمستأجرين، لذلك يكون الانهيار تدريجيًا وليس فوريًا. وفي النهاية، الأصل موجود فعليًا كعقار أو وحدة، لكنه غير قابل للتسييل السريع دون خسارة، أي أن الأزمة هنا مالية وليست أزمة ثقة، فهي تضرب السيولة والسداد لا الكيان نفسه.

ثالثًا: تداولات التأجير الاعتيادي وتداول العقارات الجاهزة.

تُعتبر هذه الأنواع الأكثر استقرارًا لأنها ترتكز على أصول حقيقية واحتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها حتى أثناء الأزمات. العقار موجود فعلاً ومستخدم سواء كان سكنًا أو مكتبًا أو متجرًا، فلا يوجد عنصر ثقة مستقبلية كما في الأنواع الأخرى. الطلب على السكن والإيجار حاجة دائمة، وحتى في الأزمات الناس تستمر في السكن والدفع ولو بمبالغ أقل. التداول هنا أقل مضاربة وأكثر واقعية، لذلك يكون التقلب محدودًا. الأصول الجاهزة لا تختفي قيمتها بل تُعاد تقييمها دون انهيار شامل، لأن البيع يتطلب وقتًا وإجراءات، فلا يحدث هلع جماعي كما في أسواق البورصة.

في النهاية، تُظهر الأزمات العقارية أن الأسواق لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ من أضعف حلقاتها. التداولات المبنية على الوعود تنهار أولاً، بينما تظل الأصول الحقيقية أكثر ثباتًا. فكلما كانت الرقابة أقوى والتمويل أكثر انضباطًا، كان التعافي أسرع والأثر أخف.

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق