الاستثمار بين التنويع والانكشاف: من سلة البيض إلى محفظة المستثمر

31 أكتوبر 2025

يقول الكاتب الشهير ميغيل دي ثيربانتس، واللي نعرف كلنا قصته الشهيرة دون كيشوت، الرجل الذي خرج ليحارب الطواحين ظنًّا منه أنها عمالقة، عبارته الخالدة “لا تضع بيضك في سلة واحدة” جملة بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر فلسفة استثمارٍ كاملة. جاءت لتوضيح فكرة تقليل المخاطر فحين تضع كل ما تملك في سلة واحدة، فإن سقوطها يعني ضياع كل شيء، أما إذا وزعت الأصول بحكمة، فإن خسارة سلة لا تعني خسارة كل شيء.

لكن من واقع الاستثمار والمنطق العملي، لا يمكن للإنسان أن يُوزّع البيض على عددٍ كبير من السلال لأنه سيواجه صعوبة في حملها وإدارتها والإشراف عليها. فالإنسان ليس أخطبوطًا يستطيع أن يحمل ألف سلة في آنٍ واحد.

البيض هنا يرمز إلى الأصول التي تشتريها بأموالك، والسلة ترمز إلى محفظتك الاستثمارية، وهي في النهاية واحدة وليست متعددة. والمغزى الحقيقي من المثل هو التحوط من المخاطر، بحيث لا تترك مصيرك المالي رهينة أصلٍ واحدٍ أو قطاعٍ واحد.

ومن المثير أن الملياردير الصناعي أندرو كارنيجي خالف هذا المبدأ وقال “ضع كل بيضك في سلة واحدة، وراقب السلة جيدًا.” وجهة نظره منطقية إذا كنت تملك السيطرة الكاملة على السلة، لكن في عالم الأسواق، حتى أكثر المستثمرين حذرًا لا يمكنهم السيطرة على الزلازل الاقتصادية التي تهز الجميع بدرجات مختلفة.

وهنا ندرك أن الأزمات المالية تشبه الزلازل، تبدأ بهزة في مكان ما، ثم تمتد ارتداداتها إلى بقية الأسواق والقطاعات. لذلك، لا يكفي توزيع الأسهم داخل سوق واحد، لأن السوق بأكمله سيتأثر بالاهتزاز نفسه. التنويع الحقيقي يكون عندما تدمج بين أصول تقليدية وأصول غير تقليدية في المحفظة الواحدة ، بحيث تختلف في طبيعتها وردة فعلها تجاه تقلبات السوق.

فالأصول التقليدية تشمل الأسهم والصكوك والسندات، أما الأصول غير التقليدية فتشمل العقارات الاستثمارية، والمعادن الثمينة كالذهب والفضة، والعملات الرقمية على سبيل المثال لا الحصر. هذا المزيج المتوازن يشبه وضع البيض مع التفاح والعسل في سلة واحدة، فإذا تكسّر أحدهما بقي الآخر صامدًا لان التفاح غير قابل للكسر.

التنويع لا يعني الكثرة، بل الاختيار الواعي. المستثمر الذكي يختار الأصول التي يفهمها ويعرف كيف يقيمها ويتابعها، أما من يملأ محفظته بكل ما يقع تحت يده، فإنه لا يملك تنويعًا حقيقيًا، بل فوضى مالية يصعب إدارتها.

احرص على أن تحتوي محفظتك على أصول تحقق تدفقات نقدية منتظمة مثل الصكوك والسندات، وأصول ترتفع قيمتها مع الزمن مثل الأراضي والذهب، وأصول هجينة تجمع بين العائد الدوري وارتفاع القيمة بمرور الوقت مثل الأسهم والعقارات التجارية المؤجرة. بهذه الطريقة، تبني توازنًا يحميك من الهزات ويمنح استثمارك استقرارًا طويل الأمد.

عام 2022 كان مثالًا قوياً على ذلك، حين انهارت منصة FTX للعملات الرقمية التى أسسها سام بانكمان فريد عام 2019 أصغر ملياردير أمريكي خريج جامعة MIT وخسر آلاف المستثمرين أموالهم لأنهم وضعوا كل ما يملكون في أصلٍ واحد دون أي بدائل. كانت تلك لحظة سقوط السلة الكبرى، حين لم يجدوا في محافظهم بيضه واحدة لم تنكسر.

وفن التنويع لا يقوم على الصدفة، بل على منهجية علمية دقيقة، تُحدَّد فيها أوزان الأصول ويُقاس خلالها مدى ارتباطها بالمؤشرات الاقتصادية مثل التضخم وأسعار الفائدة والنمو. الهدف ليس التشتت، بل تحقيق التوازن بين العائد والمخاطرة وضمان بقاء رأس المال في مأمن مهما تبدلت الظروف.

وفي الختام، أُضيف على ما قاله أندرو كارنيجي في مسألة السلة الواحدة، بأن المستثمر الذكي هو من يضع في سلته بيضًا وتفاحًا وعسلًا. فأنا هنا أقصد تنوع الأصول وليس البيض فقط، فأنت تملك سلة واحدة، فلماذا تملأها بما هو قابل للكسر؟ ضع فيها ما يحافظ على توازنها وقيمتها، فحتى وإن سقطت، خسرت البيض وغنمت ما لا ينكسر.

سيف النعيمي

محلل مالي

التعليقات

أضف تعليق