
24 أكتوبر 2025
يُروى أن البنّائين في العصور القديمة اجتمعوا لبناء برجٍ يلامس السماء، سُمّي لاحقًا برج بابل. كان الهدف واحدًا، لكن الأصوات كانت كثيرة، وكلٌّ يعمل بلغته وبطريقته، حتى تعثّر المشروع وسط الفوضى وتفرّق الجمع.
تلك القصة القديمة تُشبه إلى حدٍّ بعيد ما يحدث في الأسواق المالية حين تُترك بلا مركز، حيث تتعدد الأصوات والمصالح، ويغيب النظام الذي يضبط الإيقاع. ومن بين هذا الصخب وُلدت الحاجة إلى المركزية، لا كأداة تقييد، بل كمنظومة تُعيد التناغم إلى السوق.
ومن هنا، بدأت فكرة التنظيم تظهر كضرورة في الاقتصاد الحديث، تمامًا كما حدث في الخليج بعد الطفرة العقارية العالمية.
الطفرة العقارية العالمية الممتدة من الفترة 2003 – 2008 قد يعتبرها بعض المحللين مرحلة انتهت بخاتمة وخيمة، تمثّلت في أزمة عقارية دوّت بانهيار الأسواق العالمية وسقوط كيانات اقتصادية كبرى. وكما يُقال مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ، فقد كانت التجربة في دبي على وجه الخصوص فريدة ومختلفة؛ إذ شكّلت بداية عصر جديد في التمويل العقاري، وولادة نموذج تمويلي يتوافق مع طبيعة اقتصادها واقتصادات الدول النامية، من خلال تقليص عبء السوق العقاري في إدارة نفسه.
الأنجلوساكسونية تعني حرية السوق، وهي مدرسة ليبرالية تتبعها الدول المتقدمة التي تمتلك أسواقًا ناضجة، ومشترين مؤهلين، وأنظمة إفلاس قوية. ومن هذا النظام وُلدت المدرسة التنظيمية، أي نظام التمويل المركزي، الذي طبقته دبي عام 2007 بموجب القانون رقم (8) لسنة 2007، ثم توسّع إلى أبوظبي بموجب القانون رقم (3) لسنة 2015، وبدأ هذا النمط ينتشر في دول الخليج وشرق آسيا بعد نجاح تطبيقه.
وقد بلغت نسبة تطبيق هذا النموذج عالميًا نحو 30% من إجمالي النمط اللامركزي السائد بين دول العالم، في نهجٍ متسارع النمو. كما يعتبر صندوق النقد الدولي (IMF) النموذج الإماراتي في عمليات التمويل العقاري أكثر أمانًا لطبيعة اقتصاد الدول النامية.
إن التمويل، بشكل عام، يعتمد على ما يقدّمه المقترض من ضمانات للمقرض. وفي مشاريع البيع على المخطط، غالبًا ما تكون هذه الضمانات قائمة على التدفقات النقدية، سواء على مستوى المشروع نفسه (Project Finance) أوعلى مستوى إيرادات الشركة (Corporate Finance). في الحالة الثانية، تضمن الشركة سداد القرض من إيراداتها وليس من إيرادات المشروع. وهذا هو ما تتبعه أنظمة التمويل العقاري المركزي في دول الخليج وشرق آسيا، حيث تضع السلطات التنظيمية قوانين تُقيّد استخدام أموال التمويل، وتُلزم بإيداعها في حسابات الضمان، وتحدد طرق وأغراض استخدامها. أما التمويل الذي يقوم على مستوى المشروع فيسمح للممول بالاستفادة من تدفقات المشروع، وهو أمر محبذ لدى البنوك والمطورين، لكنه لا يخدم المودعين أو المشترين، لكونهم في الغالب غير مؤهلين أو يفتقرون إلى الخبرة الكافية لفهم هذا النوع من الاستثمارات.
ويتساءل البعض هل النمط المركزي يتفوق على النمط اللامركزي في عمليات التمويل العقاري؟
والإجابة المنطقية هي لا يوجد نمط يتفوّق على الآخر، بل يعتمد ذلك على درجة نضوج السوق العقاري. فالمركزية في التمويل لا تخدم الأسواق المنفتحة التي تعتمد على حركة سريعة للأموال وتستخدم أدوات تكنولوجية لامركزية ومتطورة، وتعتمد على عوامل تنظيم ضمنية داخل السوق نفسه. لذلك، تُعتبر المركزية في مثل هذه الأسواق عائقًا أمام تقدّم عجلة التطوير العمراني. وفي المقابل، فإن تطبيق نمط لامركزي في الأسواق الناشئة قد يضر بالسوق ويُبطئ عجلة التقدّم، بينما تسمح المركزية بتسارع التنمية العمرانية بالتوازي مع نضوج مكونات السوق، مثل زيادة شريحة المستثمرين المؤهلين، وتعدد الممولين، وحوكمة شركات التطوير.
إن البنية التحتية للسوق تساهم كذلك في تحديد أي النمطين أنسب له، من خلال القوانين، ومستوى الأمن والاستقرار، وثبات الأسعار، وتنوع خيارات الاستثمار، ووضوح الفرص البديلة. فهي منظومة متكاملة تؤثر في تشكل النمط. كما أن طبيعة الأنماط تتغير بتغير متغيرات السوق، فمع نضوج الأسواق الخليجية قد لا تكون أنماط المدرسة التنظيمية في التمويل العقاري مناسبة في مرحلة زمنية لاحقة.
إن الانتقال بين الأنماط أو الدمج بينها هو ميزة مرونة تتمتع بها الأسواق الواعدة، وهو نموذج قائم في بعض الأسواق مثل سوقي أبوظبي ودبي، حيث يمكن للمستثمر تطبيق التمويل على مستوى المشروع في التمويل العقاري الشخصي، ولا يُستبعد تطبيق هذا الأسلوب مستقبلاً على مستوى المشاريع التطويرية الكبرى، بفضل جاهزية قطاع الائتمان وقدرته على إدارة المنظومة بشكل مبتكر ومحكَم.
إن تمويل مشاريع التطوير العقاري ليس مجرد عملية ضخ أموال في حسابات الضمان، بل هو فلسفة اقتصادية تحددها الدولة وفق أولوياتها التنموية، لتضمن التوازن بين حماية المستثمر وتسارع النمو.
فالمركزية في الخليج لم تأتِ لتكبح السوق، بل لتعيد بناء الثقة وتحمي مسيرة العمران.
سيف النعيمي
محلل مالي

أضف تعليق