توكنة الأصول العقارية

17 أكتوبر 2025

قال تود ليبيات، ونقل عنه الكاتب تيم فريس المؤسس المشارك لمنصة Tokenist في مقال نُشر عام 2019:

“أعتقد أنه في وقتٍ ما كان لدينا اهتمام بقيمة 3 مليارات دولار في الترميز، ولكن عندما بدأت في تصفية هذا الاهتمام، اكتشفت أن هناك كثيرين يريدون جمع المال لصفقات سيئة حقًا.”

كان اسم تود ليبيات مرتبطًا بأول صفقة ترميز عقاري في العالم، لعقار يقع في منهاتن، ضمن شراكة بين شركتي Propellr و Fluidity. الصفقة حظيت بتغطية إعلامية واسعة من بلومبرغ أواخر عام 2018، لكنها انتهت بالفشل بعد انفصال الشركتين وعودتهما للتركيز على نشاطهما الأساسي بعيدًا عن ترميز الأصول العقارية.

الترميز كأداة مالية ليس فكرة جديدة في عالم المال، فمن حيث المبدأ يشبه تمامًا أدوات مثل عقود الخيارات والعقود المستقبلية والتزامات الدين المضمون (CDOs وCLOs)، لأنه يستمد قيمته من أصل حقيقي أساسي. ومن خلال هذه الأداة يمكن إعادة بيع “الوعد” أو “الالتزام” لمستثمر جديد مقابل ربح أو فائدة أو تدفق مالي ثابت.

وهذا ما دفع ليبيات وشريكه سام سابر إلى محاولة الاستفادة من دمج تكنولوجيا البلوكتشين بجلب سيولة جديدة للقطاع العقاري عبر معاملات ترميز الملكية العقارية.

الترميز أو Tokenization هو نوع من التوريق الرقمي يتم على شبكات البلوكتشين فهو لا يهدف إلى بيع الأصل نفسه، بل إلى توسيع قاعدة المستثمرين المهتمين بقيمته المستقبلية وما قد يدره من عوائد. وهذا السوق له جمهوره، من مستثمرين متمرسين أو صناديق ضخمة كصناديق التقاعد والتحوط، التي لا تمانع في تحمّل قدر من المخاطرة.

وهنا مربط الفرس الذي يجمع كل المشتقات المالية “المخاطرة” ففي النهاية، أنت ترشّح نفسك لتحمل جزء من المخاطرة بدل المتعاقد الأصلي، مقابل أملٍ في ربح متوقع. الجهد الحقيقي للمستثمر هنا ليس في إدارة الأصل، بل في تحمّل المخاطرة نفسها.

وما لفت انتباهي في مقولة ليبيات عندما قال “هناك كثيرون يريدون جمع المال لصفقات سيئة حقًا” هو إشارته الضمنية إلى ترميز صفقات عالية المخاطر، مثل ترميز عقارات منخفضة الدخل كالإيجار أو عجز مالكوها عن بيعها، أو ترميز عقود بيع على الخارطة لمشروعات يطورها مطورون ذوو ملاءة مالية ضعيفة أو مشترين عاجزين عن الوفاء بسداد قيمة الشراء وقد تنتهي بفشل انجاز المشروع العقاري، أو حتى ترميز عقارات فقدت قيمتها السوقية بسبب تغيّر التوجهات العمرانية.

وهذا هو واقع عمليات التوريق عمومًا هو نقل المخاطرة من طرفٍ إلى آخر. ودائمًا هناك من هو مستعد لتحمل تلك المخاطرة، سواء بعناية أو بمغامرة.

الحذر المطلوب اليوم من الجهات الرقابية هو ضمان عدم تكرار ما حدث في أزمة 2008، عندما بدت بنوك تمويل المنازل الأمريكية في أبهى صورة بينما كانت تخفي وراءها صفقات شركات الغرض المحدد (SPV)، التي فشلت في تحقيق أرباح لحملة التزامات الدين المضمون، وانكشفت لاحقًا كأكبر عملية غطاء تحايلي أشعلت أزمة مالية عالمية.

فشل محاولة ليبيات في ترميز عقار مانهاتن لا يُعد فشلًا للترميز كفكرة، فهناك بالفعل تجارب ناجحة في دول مثل سويسرا ولوكسمبورغ وسنغافورة ومؤخرًا دبي.

لكنها أدوات استثمارية صُممت للمتمرسين، وعلى المستثمرين الأفراد أن يفهموا الغرض من الترميز جيدًا عبر نشرات الاكتتاب، ويطّلعوا على السجل التاريخي للتدفقات المالية، ويسألوا لماذا ينوي المالك نقل المخاطرة إلى شريحة أكبر من المستثمرين؟

هذه الأسئلة يجب أن تسبق أي قرار اكتتاب، مع أهمية تنويع الأدوات داخل المحفظة وعدم الاعتماد فقط على أدوات عالية المخاطر.

الرقمنة المالية تتسارع بدخول الأنظمة اللامركزية مثل البلوكتشين والذكاء الاصطناعي في إدارة الاستثمارات العقارية، وقد بدأت المنظمات الدولية بالفعل بسنّ التشريعات والقيود التي تحدّ من التحايل، مثل إلزام الإفصاح (KYC) ومعايير الشفافية.

ورغم كل هذا، تبقى عمليات ترميز الأصول العقارية معقدة ومتغيرة، تحتاج إلى وعي وفهم حقيقي للمخاطر والتقييم والحوكمة.

الترميز العقاري ليس مجرد موضة رقمية، بل امتداد طبيعي لتطور أدوات التمويل الحديثة. لكنه مثل كل أداة مشتقة، يحمل فرصًا كبيرة… و مخاطر أكبر لمن لا يفهم آلياته.

سيف النعيمي

محلل مالي 

التعليقات

أضف تعليق